بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني
لا تبدو زيارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا يومي 23 و24 أغسطس زيارةً عابرة في مسار العلاقات السعودية الفرنسية، ولا محطة بروتوكولية تضاف إلى سلسلة اللقاءات بين الرياض وباريس بل تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات متسارعة وتوترات متشابكة بينما تبحث القوى الدولية عن شركاء يملكون القدرة على التأثير في مسار الأحداث لا الاكتفاء بمراقبتها، وهو ما يمنح حضور ولي العهد في باريس ثقلاً يتجاوز حدود العلاقة الثنائية إلى مساحة أوسع تتصل بمستقبل المنطقة وتوازناتها ومصالحها الاقتصادية والأمنية. وقد أعلن الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل ولي العهد يومي 23 و24 أغسطس، وأن المباحثات ستتناول القضايا الإقليمية الرئيسة إلى جانب تعزيز الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية بين البلدين.
سياسيًا تحمل الزيارة دلالة واضحة على المكانة التي أصبحت الرياض تشغلها في الحسابات الدولية، فالسعودية اليوم ليست دولةً تُستدعى لمناقشة نتائج الأزمات بعد وقوعها، وإنما طرف رئيس في صياغة المواقف ومحاولة تقريب المسافات وفتح مسارات التهدئة خصوصًا في مرحلة تتداخل فيها ملفات إيران واليمن ولبنان وأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، وهي ملفات تجعل الحوار السعودي الفرنسي جزءًا من حوار أكبر حول شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، وتؤكد في الوقت ذاته أن السياسة السعودية باتت تتحرك بثقل الدولة التي تعرف مصالحها، وتحافظ على استقلال قرارها، وتبني علاقاتها مع القوى الكبرى وفق منطق الشراكة والمصالح المتبادلة.
وتزداد أهمية الزيارة إذا قرأناها في سياق التقارب في الرؤى بين الرياض وباريس تجاه ضرورة احتواء الأزمات الإقليمية والبحث عن الحلول السياسية، فقد أكدت الخارجية الفرنسية خلال لقاءات رسمية مع الجانب السعودي في الأشهر الماضية أهمية الوصول إلى حلول سياسية مستدامة للأزمات كما أشارت إلى التنسيق بشأن أمن الخليج والملاحة في مضيق هرمز واستقرار لبنان، وهذا يعني أن طاولة باريس لن تبدأ من الصفر، وإنما تستند إلى مسار من التنسيق السياسي والدبلوماسي تراكم خلال السنوات الماضية، وأصبح اليوم أكثر أهمية في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة.
أما اقتصاديًا فإن الزيارة تأتي في لحظة مختلفة تمامًا عن المراحل التقليدية للعلاقات السعودية الفرنسية؛ لأن المملكة التي تدخل باريس اليوم ليست مجرد سوق كبيرة للمنتجات والاستثمارات الأجنبية، وإنما اقتصاد يتحول بسرعة في ظل رؤية السعودية 2030، ويبحث عن شراكات تنقل المعرفة والتقنية وتخلق الوظائف وتوطّن الصناعات وتؤسس لمشروعات طويلة المدى، ولهذا تصبح فرنسا بما تمتلكه من خبرات في النقل والطاقة والسياحة والصحة والصناعات المتقدمة والدفاع شريكًا يمكن أن يلتقي مع طموحات التحول السعودي في أكثر من قطاع. وتضع الخارجية الفرنسية بالفعل النقل والسكك الحديدية والسياحة والزراعة والصحة والطاقة المتجددة والطاقة النووية المدنية والدفاع ضمن أبرز مجالات الفرص الاقتصادية في المملكة.
وفي هذا فإن الأثر الاقتصادي المتوقع للزيارة لا ينبغي اختزاله في حجم الاتفاقيات التي قد تُعلن؛ لأن القيمة الحقيقية لأي شراكة سعودية فرنسية جديدة ستكون في نوعية المشروعات التي تنتقل من التبادل التجاري إلى الاستثمار المشترك، ومن استيراد المنتج إلى توطين المعرفة والصناعة، ومن العلاقة بين الحكومات إلى شبكة واسعة تربط الشركات والصناديق الاستثمارية والقطاعات التقنية والثقافية والسياحية بما يجعل المصالح المشتركة أكثر عمقًا واستدامة، ويمنح القطاع الخاص في البلدين مساحات أوسع للدخول في المشروعات الكبرى التي تشهدها المملكة.
واللافت في زيارة ولي العهد زعيم الشرق الأوسط إلى فرنسا أن الاقتصاد فيها لا ينفصل عن السياسة، فالاستثمارات الكبرى تحتاج إلى بيئة مستقرة، والمشروعات العابرة للحدود تحتاج إلى أمن إقليمي، والطاقة تحتاج إلى ممرات بحرية آمنة، والتجارة تحتاج إلى علاقات دولية متوازنة؛ ولذلك فإن الحديث عن السلام والاستقرار في قاعات السياسة يقابله في قاعات الاقتصاد حديث عن الاستثمار والتقنية والطاقة والنقل والصناعة، وكأن الرسالة التي تحملها الزيارة تقول إن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وجهان لمعادلة واحدة لا يمكن بناء أحدهما بعيدًا عن الآخر.
وفي المقابل تدرك باريس أن المملكة أصبحت واحدة من أهم ساحات النمو والتحول الاقتصادي في المنطقة، وأن رؤية 2030 فتحت أبوابًا واسعة أمام الشراكات الدولية كما تدرك أن الرياض تمتلك اليوم حضورًا سياسيًا واقتصاديًا يجعل بناء علاقة استراتيجية معها استثمارًا في مستقبل المنطقة نفسها، وليس مجرد تعزيز لعلاقة ثنائية تقليدية، ولذلك فإن استقبال ولي العهد في زيارة دولة يعكس حجم الرهان الفرنسي على استمرار العلاقة مع السعودية وتوسيعها في السنوات المقبلة.
زيارة الأمير محمد بن سلمان زعيم الشرق الأوسط إلى باريس إذن ليست رحلةً بين عاصمتين بقدر ما هي لقاء بين مشروعين للمصالح، السعودية تحمل رؤيةً اقتصادية كبرى وحضورًا سياسيًا متصاعدًا وقدرةً على التأثير في ملفات المنطقة، وفرنسا تحمل وزنًا أوروبيًا وخبرة صناعية وتقنية وحضورًا دبلوماسيًا دوليًا، وبين الطرفين مساحة واسعة يمكن أن تتحول فيها المصالح المشتركة إلى شراكة أكثر عمقًا، وأن تتحول فيها طاولة المباحثات من مكان لمناقشة الأزمات إلى مساحة لصناعة الحلول والفرص معًا.
وحين يصل ولي العهد إلى باريس فإن الأنظار لن تتجه فقط إلى مراسم الاستقبال وما يقال أمام عدسات الإعلام، بل إلى ما وراء تلك الصورة إلى الرسائل السياسية التي ستخرج من اللقاء، وإلى الملفات الاقتصادية التي ستتحرك بعده، وإلى حجم الدور الذي أصبحت المملكة تمارسه في صناعة التوازنات الدولية، فزعيم الشرق الأوسط الأمير محمد بن سلمان يذهب إلى فرنسا ممثلًا دولةً تعرف ماذا تريد من العالم، وتملك مشروعًا وطنيًا كبيرًا، وتتعامل مع القوى الدولية بمنطق الشريك الذي يصنع الفرصة ويشارك في القرار، لا بمنطق الطرف الذي ينتظر ما يصنعه الآخرون.