بقلم ـ المستشار عبدالله بن محمد آل شيخ
لتبوك في ذاكرة الوطن مكانةٌ
لا تشبه سواها :
أرضٌ ضاربة في عمق التاريخ
وبوابةٌ للشمال
وملتقى طرق وقوافل وحضارات
ثم أصبحت مع مسيرة المملكة
الحديثة منطقةً تنموية وزراعية وسياحية مهمة
واليوم تقف على مقربة من مشروعات كبرى ترسم ملامح مستقبل مختلف لهذه البقعة العزيزة من وطننا ..
ولي مع تبوك حكاية قديمة
بدأت قبل نحو ستين عامًا
وتحديدًا في عام 1386 أو 1387هـ، الموافق تقريبًا 1966–1967م
عندما كنت طالبًا في مدارس
الفلاح بجدة
وأمارس في الوقت نفسه هوايتي المبكرة في الصحافة
مع صحيفة «البلاد».
كانت الرحلة في ذلك الزمن
حكايةً بذاتها ..
ركبت مع الركاب سيارة أجرة من جدة إلى المدينة المنورة
وقضيت في طيبة الطيبة
أيامًا ما زلت أعدها من أجمل
أيام ريعان الشباب :
أؤدي صلاة الفجر في المسجد
النبوي الشريف
ثم أمشي على قدمي إلى
مطاعمها الشعبية وبعدها إلى
مقاهيها الصباحية
حيث تمتزج رائحة القهوة
بعبق النعناع و«الدوش»
في صباحات لا تزال رائحتها
وصورها عالقة في الذاكرة ..
ومن المدينة غادرت إلى تبوك على سطح سيارة «لوري»!
لم تكن هناك حجوزات وفنادق
كما هي الحال اليوم
وكانت بيوت الأصدقاء والمعارف
هي الفنادق المفتوحة ..
بالمحبة والكرم ..
وحللت حينها في ضيافة
رئيس محاكم تبوك الشرعية
الشيخ الكريم الفاضل
صالح التويجري رحمه الله
والذي كانت تربطه صلة رحم بأسرة الزومان الكريمة ..
وساعدني فضيلته وعدد من الأفاضل من أسرة الفاخري في مهمتي الصحفية.
وخلال تلك الزيارة أنجزت عدة
حلقات عن تبوك :
تاريخًا ومكانًا وإنسانًا
وأجريت لقاءات مع عدد من مسؤوليها، وكتبت عن حركتها الاجتماعية والرياضية وتطورها حاضراً ومستقبل
وكانت تلك أيامًا من «الزمن الجميل» الذي كانت فيه الصحافة رحلة بحث ومشاهدة ولقاء مباشر مع الناس ..
ومرت السنون،
وبقيت تبوك تعيدني إليها ..
ففي أواخر عام 1985م، وبعد عودتي من مهماتي العملية خارج الوطن
رافقت معالي وزير الزراعة آنذاك
د عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل الشيخ، رحمه الله
وكان في ضيافته معالي
وزير الزراعة المصري
وكانت تبوك محطة مهمة في الزيارة لما شهدته آنذاك
ولا تزال
من نهضة زراعية متميزة ..
وفي تلك الزيارة كان أول لقاء لي بصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز
أمير منطقة تبوك أمده الله بصحته
أتذكر مجلس سموه وحديثه جيدًا
بعد أن رحّب سموه بضيوفه
تحدث ببلاغة وتركيز عن تبوك
حاضرها ومستقبلها وعن أهلها
وكيف كانوا عونًا له بعد الله
في بدايات مسؤوليته ..
ومسيرة النهوض بالمنطقة ..
وبعد انتهاء اللقاء
أثنى معالي د عبدالرحمن رحمه الله، على سموه وحديثه
وقال بما معناه
كم نفتخر بمثل هذا الأمير
وهذا الحديث المبهر
ومن الذكريات الجميلة في تلك الرحلة زيارة مزرعة الشيخ سليمان الراجحي
وكان يشرح بنفسه للضيف المصري تفاصيل العمل الزراعي بمزرعته
ومفرداته .. بدقة وعفوية
حتى أبدى الضيف إعجابه متسائلًا
عن هذه المعرفة والخبرة التي
يمتلكها مضيفه ..
ثم توالت زياراتي لتبوك بحكم العمل، ومنها الزيارات والتي رافقت فيها صاحب السمو الملكي الأمير
سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز
وفقه الله
خلال مرحلة تأسيس الهيئة الأولى للسياحة .. وكانت لقاءاتنا بأمير تبوك دائمًا مدخلًا مهمًا للتعرف على المنطقة واحتياجاتها وطموحات أهلها ..
استعدت كل تلك الصور والذكريات عندما شاهدت .. وإن متأخراً
مقطعًا متداولًا لصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان
أمير منطقة تبوك حفظه الله
بعد عودته من رحلته العلاجية
وقد بشّر محبيه بأنه عاد
بفضل الله، سالمًا معافى.
ولم يكن المقطع عاديًا.
بدأ سموه بالوفاء، فعبّر عن شكره وتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز،
ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظهما الله.
لكن اللحظة التي استوقفتني
وأحسب أنها استوقفت كل
من شاهد المقطع
كانت عندما تحدث سموه
(( عن أهل تبوك
غلبته مشاعره
ودمعت عيناه
وشكرهم على حفاوتهم ومشاعرهم، وقال إنه يحبهم ..
ثم تجاوز كلمة الحب إلى كلمة
أكثر تعبيرًا وصدقًا :
«أعشقكم».
كلمة قصيرة، لكنها اختصرت
حكاية عقود
فالعلاقة بين الأمير فهد بن سلطان وتبوك لم تعد مجرد علاقة
أمير بمنطقة يتولى مسؤوليتها :
إنها سنوات طويلة من
المعايشة والعمل
عرف خلالها أهل تبوك وعرفوه
عاش بينهم أفراحهم وأحزانهم
وشاهد مدنهم ومحافظاتهم
وقراهم تكبر وتتغير
وعمل معهم ومن أجلهم
في مسيرة تنمية طويلة ..
ولهذا لم تكن دمعة سموه مصطنعة
ولم تكن حفاوة أهل تبوك
بعودته مجاملة ..
إنها المحبة عندما تصنعها السنين
والوفاء عندما تثبته المواقف ..
وهنا تتجاوز الحكاية تبوك إلى
معنى أكبر في وطننا ..
فمنذ عهد المؤسس
الملك عبدالعزيز، رحمه الله
قامت هذه البلاد على قرب القيادة
من الناس
وتوارث أبناؤه هذا النهج :
ملكًا وولي عهد وأمراء
مناطق ومسؤولين
فالناس هنا ليسوا أرقامًا
والمناطق ليست مجرد حدود إدارية
وإنما وطن واحد
وعلاقة إنسانية ومسؤولية وأمانة ..
ولذلك
عندما يقول أميرٌ عاش عقودًا بين أهل منطقته والدمعة في عينيه
«أعشقكم»
فإن الكلمة لا تحتاج إلى تفسير.
لقد فسرتها السنوات قبله ..
حمدًا لله على سلامتكم
يا صاحب السمو
وتهنئة من القلب لأهل تبوك بعودة أميرهم إليهم سالمًا معافى ..
وإذا كان الأمير فهد بن سلطان
قد اختصر مشاعره تجاه أهل تبوك بكلمة «أعشقكم»
فإن استقبالهم وفرحتهم بعودته اختصرا جوابهم أيضًا :
المحبة لا تُطلب ..
وإنما تُزرع
ومن يزرع الوفاء يحصد الوفاء
حفظ الله سموه وأسبغ عليه لباس الصحة والعافية
وحفظ تبوك وأهلها
وحفظ خادم الحرمين الشريفين
وسمو ولي عهده الأمين
وأدام على وطننا أمنه وعزه
وأدام بين قيادته وشعبه
هذه المحبة التي كانت
وستبقى بإذن الله
واحدةً من أعظم نعم هذا الوطن ..