بقلم - د. علي بن عالي السعدوني
مع بداية كل عام أكاديمي تتحدث الجامعات كثيرًا عن الجاهزية، وتعلن عن خططها وبرامجها وأهدافها، وتضع أمام الطلاب عبارات كبيرة عن صناعة المعرفة، وبناء الشخصية، وتنمية مهارات التفكير والبحث والتحليل، وتعزيز اللغة العربية، وإعداد جيل لا يتلقى المعلومة كما هي وإنما يسأل عنها ويناقشها ويفحصها ويبحث عما وراءها، وهذا كله جميل ومطلوب لكن قيمة هذه الأهداف لا تظهر في الكلمات التي تكتب على المواقع الرسمية، ولا في العبارات التي تتكرر في اللقاءات والتقارير، وإنما تظهر في التفاصيل الصغيرة داخل القاعات الدراسية، وفي اختيار الأستاذ للمقرر، وفي احترام التخصص، وفي قدرة الجامعة على أن تجعل ما تقوله في خططها حاضرًا فعلًا في ممارساتها اليومية.
وفي هذا من حقنا أن نسأل جامعة حفرالباطن سؤالًا أكاديميًا بعيدًا عن الأشخاص والأسماء كيف يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم وتطوير المعرفة ثم نجد عضو هيئة تدريس يدرّس مقررًا بعيدًا عن تخصصه من أجل استكمال نصابه من الساعات، وكيف يمكن مثلًا أن تُسند مادة في اللغة العربية إلى أستاذ تخصصه الإدارة التربوية مع كامل الاحترام للإدارة التربوية وأساتذتها ومكانتها العلمية لكن اللغة العربية ليست مادة عامة يستطيع أي حامل لدرجة الدكتوراه أن يدخل قاعتها ويقدمها للطلاب كما أن الإدارة التربوية ليست مجالًا مفتوحًا لأي متخصص في اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا، فلكل علم أبوابه ومناهجه وأدواته ومصطلحاته وتراكمه المعرفي الذي أمضى المتخصص سنوات طويلة في بنائه.
المشكلة في هذا ليست في قدرة الأستاذ على قراءة محتوى المقرر وشرحه فقد يستطيع أستاذ متمكن أن يقرأ كتابًا خارج تخصصه ويقدم مادته بصورة جيدة لكن الجامعة ليست مدرسة لتلخيص الكتب، والأستاذ الجامعي ليس ناقلًا لما بين دفتي المقرر؛ لأن القيمة الحقيقية للأستاذ تظهر عندما يأخذ الطالب إلى ما وراء الكتاب، ويضع أمامه خبرته العلمية، ويكشف له اختلاف المدارس والاتجاهات، ويناقشه في المسائل التي لا توجد إجاباتها جاهزة في الصفحات، ويعلمه كيف يفكر داخل التخصص لا كيف يحفظ محتواه ، وهذه المساحة تحديدًا هي التي يصعب أن يمنحها للمقرر من لم يكن ذلك المجال جزءًا أصيلًا من تكوينه العلمي.
والأخطر من ذلك كله أن مثل هذه الممارسة ترسل إلى الطلاب رسالة ضمنية ربما تكون أشد تأثيرًا من عشرات المحاضرات، فالطالب الذي يرى مقرر اللغة العربية يُسند إلى غير متخصص فيها قد يسأل إذا كان غير المتخصص يستطيع تدريس اللغة العربية في الجامعة فما القيمة الحقيقية لهذا التخصص؟ ولماذا يدرس الطالب سنوات طويلة في قسم اللغة العربية، ويتخصص في النحو أو البلاغة أو الأدب أو النقد أو اللسانيات إذا كان المقرر في النهاية يمكن أن يُعطى لمن يحتاج إلى إكمال نصابه التدريسي؟ وفي هذالا نتحدث فقط عن توزيع مقرر، وإنما عن صورة تخصص كاملة تتشكل في ذهن الطالب.
والحديث نفسه يمكن أن يقال عن مهارات التفكير الناقد؛ لأن التفكير الناقد ليس مقررًا تكميليًا نضعه في الجدول ثم نبحث عمن لديه ساعات ناقصة ليقوم بتدريسه، وإنما هو من أكثر المقررات ارتباطًا بالطريقة التي نريد أن نبني بها عقل الطالب، فالغاية منه أن يتعلم الطالب كيف يسأل قبل أن يصدق، وكيف يفرق بين الرأي والحقيقة، وكيف يختبر الدليل، وكيف يكتشف التناقض، وكيف يناقش الفكرة دون أن يتحول اختلافه معها إلى خصومة مع صاحبها، وهذه المهارات لا تُبنى بمجرد قراءة شرائح العرض أمام الطلاب، وإنما تحتاج إلى أستاذ يفهم طبيعة التفكير والحجاج والاستدلال والمغالطات ومناهج تحليل الأفكار، ويستطيع أن يحول القاعة من مكان لتلقي الإجابات إلى مساحة لصناعة الأسئلة.
وفي هذا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل، فنحن نقول للطالب منذ دخوله الجامعة لا تسلّم بالمعلومة، ابحث، ناقش، تحقق، اسأل عن الدليل ثم قد يجد الطالب نفسه أمام ممارسة أكاديمية تدفعه إلى السؤال الذي تعلمه منا: لماذا يدرسني هذا المقرر أستاذ من خارج تخصصه؟ وما المعيار الذي تم على أساسه اختياره؟ وهل كان المعيار علميًا أم أن المسألة مرتبطة باستكمال النصاب؟ وإذا كان التفكير الناقد الذي نعلمه للطالب جادًا فعلًا فعلينا ألا ننزعج عندما يستخدمه الطالب في قراءة ممارسات الجامعة نفسها.
لسنا في هذا ضد التكامل بين التخصصات بل إن مستقبل الجامعات يقوم بدرجة كبيرة على هذا التكامل، فاللغة يمكن أن تلتقي بالإعلام والتقنية والذكاء الاصطناعي والقانون والإدارة، والتربية يمكن أن تستفيد من علم النفس والاجتماع والاتصال لكن التكامل العلمي شيء، وإسناد المقرر لغير المتخصص لمجرد استكمال الساعات شيء آخر تمامًا، الأول قرار معرفي له غاية واضحة، أما الثاني فإذا حدث بهذه الصورة فهو حل إداري لمشكلة النصاب، ولا ينبغي أن تتحمل المعرفة كلفة الحلول الإدارية.
ما نحتاجه في بداية العام الأكاديمي ليس أن تكون الجداول مكتملة على الورق بل أن نسأل: هل الشخص المناسب موجود أمام المقرر المناسب؟ وهل الأستاذ الذي يدخل القاعة يستطيع أن يمنح الطالب أكثر مما يستطيع الطالب قراءته بنفسه في الكتاب؟ وهل توزيع المقررات يعكس احترام الجامعة للتخصصات التي أنشأت من أجلها أقسامًا، وعيّنت فيها أعضاء هيئة تدريس، ومنحت فيها درجات علمية؟
جامعة حفرالباطن مثل غيرها من الجامعات لديها مسؤولية كبيرة تجاه طلابها، والحديث عن مثل هذه الملاحظات لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تقليلًا من جهودها أو من كفاءة أعضاء هيئة التدريس فيها، وإنما باعتباره سؤالًا مشروعًا عن الجودة التي نريدها جميعًا؛ لأن الجامعة القوية ليست الجامعة التي لا تُطرح حولها الأسئلة بل الجامعة التي تملك إجابات مقنعة عندما تُطرح الأسئلة، وتراجع ممارساتها عندما تكتشف أن بعض التفاصيل لا تنسجم مع الأهداف الكبيرة التي أعلنتها.
فالجامعة حين تسند المقرر إلى غير المتخصص لا توزع ساعات وإنما تقول شيئًا عن قيمة التخصص، وحين تجعل استكمال النصاب مقدمًا على الملاءمة العلمية فإن الطالب يقرأ هذه الرسالة جيدًا حتى لو لم تقلها الجامعة بصوت مرتفع، ولهذا فإن احترام التخصص ليس ترفًا إداريًا ولا دفاعًا عن أقسام بعينها بل هو احترام للمعرفة نفسها، واحترام للطالب الذي جاء إلى الجامعة وهو يعتقد أن كل ساعة يجلس فيها داخل القاعة قد وُضعت في مكانها بعناية، وأن من يقف أمامه لم يصل إلى ذلك المقرر لأن الجدول كان يحتاج إلى اسمه بل لأن علمه وتخصصه وخبرته هي التي قادته إليه.