بقلم -د.غالية بنت عيسى الزبيدي
يشهد الأدب الإماراتي المعاصر حضورًا متناميًا في المشهد الثقافي العربي، إذ استطاع خلال العقود الأخيرة أن يقدم تجارب أدبية تتجاوز حدود المكان نحو فضاءات إنسانية أرحب.
فلم تعد الكتابة الإماراتية معنية فقط بتوثيق التحولات الاجتماعية والثقافية، بل أصبحت مجالًا للتعبير عن الإنسان وأسئلته، وعن علاقته بالذات والآخر والحياة.
وقد أسهمت الأديبات الإماراتيات في إثراء هذا المشهد عبر تجارب متنوعة جمعت بين الحس الأدبي والوعي الفكري والخبرة الحياتية، مقدمة نماذج كتابية تنطلق من خصوصية التجربة المحلية لتصل إلى القارئ العربي.
ومن بين هذه الأصوات تبرز تجربة الدكتورة فاطمة عيسى القحطاني بوصفها تجربة أدبية تتكئ على خلفية تربوية وإنسانية، حيث تتداخل في كتاباتها خبرة المربية مع حساسية الأديبة.
فهي لا تنظر إلى الكتابة بوصفها ممارسة جمالية فحسب، بل بوصفها وسيلة لحفظ أثر التجارب، وتأمل تحولات الإنسان، والبحث عن المعاني التي تختبئ خلف تفاصيل الحياة اليومية.
تتوزع تجربة القحطاني بين الكتابة التأملية والسرد، وتجمع أعمالها بين الاهتمام بالروح الإنسانية، والاقتراب من قضايا القلب والعلاقات والذاكرة والتجربة.
ويكشف تنوع عناوينها عن عالم كتابي يقوم على مفردات قريبة من الإنسان: القلب، الروح، الحب، الماء، الأوراق، والانكسار؛ وهي مفردات تحمل دلالات مرتبطة بالحياة بما فيها من نمو وتغير وفقد واستعادة.
في كتاب "مناهل االروح" تستند الكاتبة إلى خبرتها الطويلة في المجال التربوي، إذ تشير إلى أنها خاضت الميدان التربوي لأكثر من ثمانية عشر عامًا، وأن الكتاب جاء ثمرة لتجارب ومواقف مرت بها خلال عملها في التدريس والإدارة، محولة تلك الخبرات إلى تأملات ودروس تحمل أبعادًا تربوية وإنسانية.
فالكتاب يمثل مساحة تلتقي فيها التجربة المهنية مع الرؤية الأخلاقية، حيث تتحول المواقف اليومية إلى دروس في التعامل وبناء الإنسان وصناعة الأثر.
أما "أوراق على الماء" فيحمل عنوانه دلالة رمزية مرتبطة بحركة الحياة وتقلباتها؛ فالأوراق التي تحملها رحلة الإنسان تتغير كما تتغير الفصول، تبدأ بالعطاء والنضارة ثم تمر بمحطات التحول والتجربة.
ومن خلال هذا التصور يبدو الكتاب قريبًا من تأمل مراحل الإنسان المختلفة، وما تتركه الأيام من آثار وخبرات وذكريات.
فالحياة في هذا العمل ليست خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من المحطات التي يصنع الإنسان من خلالها حكايته الخاصة.
وفي "نوافذ القلب" تقترب القحطاني من العالم الداخلي للإنسان، عبر تأمل المشاعر والعلاقات وما يمر به القلب من تجارب في مسيرة الحياة.
فالكتاب ينتمي إلى الكتابة الوجدانية التي تحاول قراءة أثر التجارب في النفس، والدعوة إلى الحفاظ على الصفاء الداخلي وسط تعقيدات الحياة.
ويأتي" غراس الحب" ليعكس اهتمام الكاتبة بالقيم الإنسانية الكبرى؛ فالحب لديها لا يقتصر على دلالته العاطفية، بل يمتد ليكون قيمة تبني العلاقات وتمنح الحياة معناها، وترتبط بالمودة والتسامح والارتقاء بالإنسان.
أما روايتها "القلب الأحمق" فتمثل انتقالًا إلى عالم السرد، حيث تتحول التجربة الإنسانية إلى شخصيات وحكايات.
وتتناول الرواية آثار الذاكرة والعلاقات وما تتركه الأيام من ندوب داخل الإنسان، من خلال رحلة بطلتها "علياء" وما تحمله من مشاعر وتجارب.
ومن هذا السياق يمكن قراءة عنوان" أسرار امرأة منكسرة" بوصفه امتدادًا للانشغال الإنساني الذي يطبع مشروعها الأدبي؛ فالانكسار هنا لا يُفهم بوصفه نهاية، بل بوصفه تجربة تكشف ما تخفيه النفس من قوة وصبر وقدرة على استعادة التوازن.
فالمرأة في هذا النوع من الكتابة ليست صورة للضعف، وإنما كيان يحمل ذاكرة وتجارب وأسرارًا تشكل وعيه ونظرته إلى الحياة.
إن تجربة فاطمة عيسى القحطاني تكشف عن مسار أدبي يلتقي فيه صوت الكاتبة بصوت المربية؛ فهي تكتب عن الإنسان من خلال ما يمر به من تحولات، وعن الحياة بوصفها مدرسة مفتوحة تمنحنا الدروس بقدر ما تمنحنا الأسئلة. وبين دفاتر التربية وصفحات الأدب، تقدم نصوصها محاولة للاحتفاظ بما يتركه الإنسان من أثر، لا بما يمر به من أحداث فقط.
ويبقى السؤال الذي تتركه هذه التجربة مفتوحًا أمام القارئ: هل الأدب الحقيقي هو ما يحكي لنا حياة الآخرين فقط، أم أنه ذلك النص الذي يجعلنا نكتشف شيئًا جديدًا عن أنفسنا؟
عن الكاتبة : شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب.
الفائزة بجائزة سرد الذهب للقصة القصيرة غير المنشورة بدورتها الثالثة لعام 2026 م.