الكاتب :
التاريخ: ٢٥ أغسطس-٢٠٢٦       3575

بقلم - حسين القفيلي 
نعم؛ انتقلت للعديد من الصحف الإلكترونية وعملت بالكثير منها، ليس محرراً أو كاتب رأي فحسب، بل مسؤولاً أشرف على إدارة التحرير، أو مستشاراً عاماً، أو مديراً إقليمياً لجزء واسع من مساحة هذا الوطن الكريم، أشرف من خلاله على آراء ومقترحات وتغطيات زملائي وزميلاتي الإعلاميين في عدة صحف. واليوم، وأنا أقرأ عن توقف آخر عدد ورقي لصحيفة «الرياض»، يتوقف العبق الذي اعتادت الحواس على استنشاقه كل صباح، وتغيب تلك الطقوس اليومية التي رافقت تفاصيل العمر، فإن الحزن لا يكون عابراً، بل هو وقفة تأمل أمام صرح كبير أسهم في صياغة الوعي والوجدان. هكذا هو الشعور حين نودع الطبعة الورقية لصحيفة «الرياض»، تلك الصحيفة العريقة التي كانت محطة رئيسية لقلمي، وقضيت فيها سنوات طويلة تشربت خلالها أبجديات المهنة، فمن بين طيات صفحاتها تعلمت كل شيء؛ بدءاً من فنون التحرير وصياغة الخبر، ونهاية بمعرفة أصدقاء عمر ورفاق درب لا يُعوضون.
إن توقف صحيفة «الرياض» عن إصدارها الورقي بعد مسيرة مظفرة تجاوزت 65 عاماً من العطاء المستمر، يترك في نفس كل صحفي عاش تفاصيلها غصة وألماً عميقاً. لقد افتقدت تلك الوجبة الدسمة التي كانت ترافق وجبة الغداء اليومية، وتلك الرائحة المميزة لأوراق الجريدة التي تعبق بالمكان، وتواجد ذلك الصندوق الثابت في بوابة منزلي، بل وحتى جهاز الفاكس الذي كان جنباً إلى جنب مع الإيميل عند إرسال المادة الإعلامية. لقد كانت «الرياض» مدرسة حقيقية تخرجت منها أجيال، وكانت بالنسبة لي البيت الإعلامي الأول الذي منحني الهوية والثقة.
إن هذا التحول من النشر الورقي إلى النشر الرقمي يأتي بما يواكب التحولات الكبيرة التي شهدتها صناعة الإعلام، وتغير عادات القراءة وطرق الحصول على الأخبار والمعلومات؛ فالصحافة الحية هي التي تتفاعل مع نبض العصر وتصل إلى قرائها بكفاءة عالية.
إننا إذ نستحضر الذكريات الجميلة ونستشعر الحزن لفراق الورق، فإننا ندرك تماماً أن الرسالة أعمق من الوسيلة، فنحن لا نقول وداعاً لجريدة «الرياض»، بل تبدأ رحلة جديدة على الشاشة، ويبقى الهدف واحداً: صحيفة سعودية تواكب وطنها، وتنقل أخباره، وتناقش قضاياه، وتحافظ على ثقة قرائها. فآخر طبعة ورقية ليست نهاية «الرياض».. بل بداية فصل جديد من تاريخها.