بقلم: محمد جبران
كان الذهاب إلى سوق الربوع يشبه الرحيل إلى عالم من السحر، وأنا الطفل القادم من قريتي الهادئة، حيث الوجوه والأماكن المألوفة، والأسماء المحفوظة جيدًا. قبل طلوع الشمس كان يملؤنا خوف صغير من أن يلمحنا سائق السيارة فيمنعنا من الركوب معه، وحين نختلس أنفسنا ونصعد إلى حوض القلّاب من دون أن ينتبه إلينا، كان الفرح يطير بنا إلى هناك، إلى مكان لم أره من قبل.
ما إن وصلت حتى اتسعت عيناي. لم أكن أعرف أين أنظر أولًا. كنت أمشي ببطء، وأتوقف كل بضع خطوات؛ أرفع رأسي إلى أزياء النساء المتدلية على واجهات الدكاكين الحجرية، ثم تهبط عيناي إلى الفواكه الغريبة المكومة على قطعة قماش فوق الأرض، قبل أن تخطفني ألعاب الأطفال المبعثرة التي كانت تشدني أكثر من أي شيء آخر.
كانت أصوات الباعة والمتسوقين تختلط بروائح الأجساد، والحيوانات، والأعلاف، والتوابل. كنت أضيع بين تلك الروائح والمشاهد. ثم يأتيني عبق خبز التميس الساخن وهم يغمسونه في شاهي البراد، وكأن الحياة كلها اجتمعت في تلك اللقمة.
كانت لقاءات المعارف والأصدقاء، والدائنون مع مدينيهم، وأصوات البهائم، والحكايات التي تنتقل من فم إلى آخر، تمر من حولي. كان الكبار منشغلين بأحاديثهم، بينما كنت مهتمًا بأشياء أخرى؛ أتوقف أمام زجاجات المشروبات الغازية والحلويات الملونة التي يعلوها الغبار. كنت طفلًا لا يعرف طوال الأسبوع سوى ماء الحنفية وكسرة خبز، لذلك كانت تلك الأشياء تبدو لي كأنها خزائن للأمنيات.
كنت أرى الصغار يجرون خلف آبائهم، والنساء يعبرن الزحام في أثوابهن السوداء. لم يكن شيء في ذلك المشهد مرتبًا، لكن كل شيء كان يحفر ممراته في ذاكرتي.
عند اشتداد الظهيرة، خفت الحركة وأخذ الباعة يجمعون ما تبقى من بضائعهم. كنت أراقب انطفاء ذلك اليوم شيئًا فشيئًا، وفي قبضتي لعبة وجدتها بين أشياء السوق.