الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ أغسطس-٢٠٢٦       2640

بقلم: عبدالله الكناني

قد تبدأ المسألة بصورة ساخرة، أو عبارة عابرة، أو منشور يُقال إنه (للمزاح فقط)، ثم ينتشر بين الناس ويتكرر حتى يصبح مألوفًا، دون أن نتوقف أمام ما يحمله من انتقاص، أو ما يرسخه في الوعي من صورة نمطية تجاه كبار السن والمتقاعدين.

ومع محبتي وتقديري للجميع، فإن الوعي والمسؤولية المجتمعية يقتضيان ألّا نُقرّ أو نحبذ انتشار مثل هذه العبارات في مجتمعنا، حتى وإن قيلت على سبيل المزاح؛ فالمزاح حين يمس كرامة الإنسان أو ينتقص من قدره، ويتكرر حتى يصبح أمرًا عاديًا، يفقد براءته ويتحول إلى سلوك قد يرسخ التنمر والتمييز على أساس العمر.

كبار السن ليسوا فئة على هامش المجتمع، بل هم في قلبه؛ آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وإخواننا وأخواتنا. وهم ذاكرة البيوت، وامتداد التجربة، وأصحاب سنوات طويلة من العمل والتربية والبناء والعطاء.

وكذلك المتقاعدون؛ فالتقاعد مرحلة وظيفية، وليس وصفًا لقدرات الإنسان أو قيمته،وما يحمله المتقاعد من معرفة وخبرة وتجربة لم ينتهِ بانتهاء خدمته الوظيفية، بل ربما أصبح أكثر نضجًا وقدرة على الإفادة.

المشكلة ليست في المزاح أو الابتسامة؛ فنحن جميعًا بحاجة إليهما، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين مزاح يصنع الفرح، وآخر يجعل عمر الإنسان أو تقاعده أو بعض التغيرات الطبيعية في مراحل حياته مادةً للسخرية والتندر.

والأخطر من العبارة نفسها أن يؤدي تكرارها إلى تكريس صورة ذهنية تصور كبير السن أو المتقاعد بأنه أقل قدرة على الفهم أو الإنجاز أو مواكبة الحياة. وحين تتكرر هذه الصورة في المنشورات والمقاطع والتعليقات، فإنها قد تتحول تدريجيًا إلى ثقافة يتقبلها المجتمع دون أن يشعر بخطورتها.

وهنا علينا أن نسأل أنفسنا: أي رسالة نقدمها لأبنائنا عندما نجعل كبار السن مادةً للتندر؟

إننا لا نتحدث عن أشخاص بعيدين عنا، بل عن أمهاتنا وآبائنا ومن سبقونا في بناء أسرنا ومجتمعنا ووطننا،بل إننا نتحدث أيضًا عن مستقبلنا نحن؛ فالتقدم في العمر سنة من سنن الحياة، وما نقبله اليوم من انتقاص بحق كبير السن قد يصبح غدًا خطابًا موجهًا إلينا.

ولعل مما يدعو إلى الاعتزاز أن المملكة العربية السعودية لم تكتفِ بما رسخته تعاليم ديننا الحنيف وقيم مجتمعنا من توقير الكبير وبرّه وحفظ مكانته، بل عززت ذلك بمنظومة من التشريعات والتنظيمات التي تحفظ حقوق كبار السن، وتصون كرامتهم، وتوفر لهم الرعاية والحماية.

ومن أبرز هذه التشريعات نظام حقوق كبير السن ورعايته، الذي جاء ليؤكد بصورة نظامية حقوق كبير السن ورعايته وحمايته، وليعزز مسؤولية الأسرة والمجتمع والجهات ذات العلاقة تجاهه. ولم يتوقف النظام عند مفهوم الرعاية بمعناه التقليدي، بل امتد إلى جوانب أكثر شمولًا، من بينها التوعية بحقوق كبار السن، وتعزيز احترامهم وتوقيرهم، وتمكينهم من العيش في بيئة تحفظ حقوقهم وتصون كرامتهم.

واللافت في هذا التوجه أن الدولة لا تنظر إلى كبير السن بوصفه متلقيًا للرعاية فقط، وإنما إنسانًا يمتلك خبرة وقدرات يمكن أن يستمر أثرها في المجتمع؛ ولذلك أكدت التنظيمات أهمية الاستفادة من مهارات كبار السن وخبراتهم، وتعزيز اندماجهم ومشاركتهم المجتمعية، وتشجيع القادرين منهم على العمل ومواصلة العطاء.

كما أولت المملكة عناية بالرعاية الأسرية والاجتماعية والصحية والنفسية لكبير السن، ورسخت مسؤولية الأسرة تجاهه، بما يحفظ له الاستقرار والكرامة ويعزز بقاءه جزءًا أصيلًا من محيطه الأسري والاجتماعي.

وجاءت اللائحة التنفيذية لنظام حقوق كبير السن ورعايته لتضع الآليات والإجراءات التي تسهم في ترجمة هذه الحقوق إلى ممارسات واقعية، وتحدد مسؤوليات الجهات ذات العلاقة، وتدعم البرامج والخدمات الموجهة لهذه الفئة الغالية من المجتمع.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن نتوقف أمامها: فبينما تبني الدولة منظومة تشريعية واجتماعية متكاملة لحماية حقوق كبار السن، وصيانة كرامتهم، وتمكينهم والاستفادة من خبراتهم، لا ينبغي لنا نحن، أفرادًا أو وسائل إعلام أو مستخدمي منصات التواصل، أن نهدم بكلمة ساخرة أو صورة أو مقطع متداول شيئًا من هذه المكانة.

فالأنظمة تحمي الحقوق، لكن الثقافة المجتمعية هي التي تمنح هذه الحقوق روحها في الحياة اليومية.

ومن هنا تصبح مسؤولية الكلمة أكبر؛ لأن احترام كبار السن لا يتحقق فقط بالخدمات والبرامج والأنظمة، بل يبدأ أيضًا من الطريقة التي نتحدث بها عنهم، والصورة التي نقدمهم بها لأبنائنا، والمحتوى الذي نسمح له بالانتشار بيننا.

كبار السن ليسوا ماضيًا نتجاوزه، بل ذاكرة حية وخبرة ممتدة، وقيمة إنسانية واجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها. وما يحملونه من تجارب حياتية طويلة يجعلهم مصدر حكمة وإرشاد للأجيال، لا مادة للسخرية أو التقليل.

وكذلك المتقاعدون؛ فالتقاعد ليس نهاية العطاء، بل انتقال إلى مرحلة جديدة من الحياة يمكن أن تكون أكثر هدوءًا وعمقًا وإنتاجًا،فكثير من المتقاعدين يواصلون العطاء في مجالات التطوع والاستشارات ونقل الخبرة والمشاركة المجتمعية، بل ويبدأ بعضهم مشاريع وتجارب جديدة بعد التقاعد.

أما الصفات التي تُلصق أحيانًا بكبار السن والمتقاعدين على سبيل السخرية، كالنسيان أو البطء أو ضعف التعامل مع بعض التقنيات، فهي ليست حكرًا على عمر معين؛ فالنسيان والخطأ والتعب والضعف في بعض المهارات حالات بشرية قد نجدها لدى الصغير والكبير، والموظف والمتقاعد، ولا يجوز تحويلها إلى مادة للتنمر أو التعميم على فئة بأكملها.

إن احترام الكبير قيمة راسخة في ديننا وثقافتنا، تقوم على البر والتوقير وحفظ المكانة. وديننا الذي بلغ في تعظيم حق الوالدين أن نهى حتى عن قول «أف» لهما، وحث على الإحسان واللين وحسن القول، يضع أمامنا ميزانًا أخلاقيًا ينبغي أن ينعكس على تعاملنا مع كبار السن وعلى لغتنا تجاههم.

وتماسك المجتمع لا يقوم على الأنظمة وحدها، بل تحميه أيضًا الأخلاق والسلوكيات اليومية واللغة التي نتداولها. فالكلمة قد تبني احترامًا أو تهدمه، وقد تقرّب بين الأجيال أو تباعد بينها، وقد تكون رسالة وفاء أو مدخلًا إلى الانتقاص والتنمر.

ولهذا، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نعيد النظر فيما نكتبه وننشره ونشاركه، وأن ننتقل في خطابنا تجاه كبار السن من السخرية والشفقة إلى التقدير والتمكين والاستفادة من الخبرة، وأن نختار لغة تحفظ الكرامة وتعزز الاحترام، ولا تكرس الصور النمطية أو الانتقاص.

ولا ينبغي أن نكون، بقصد أو من دون قصد، أداة لنشر محتوى يضعف قيم الاحترام والترابط بين أفراد المجتمع، أو يفتح بابًا للتنمر والتصنيف على أساس العمر؛ فالمجتمع المتماسك يبدأ من احترام الإنسان للإنسان، ومن حفظ مكانة الكبير، ومن تعليم أبنائنا أن اختلاف الأعمار لا يعني اختلاف الكرامة.

كبار السن ليسوا عبئًا، بل بركة؛ وليسوا هامشًا، بل أصل الحكاية،وهم ليسوا ماضيًا انتهى، بل ذاكرة وطن، وخبرة مجتمع، وحاضر يستحق التقدير، ومستقبل سنصل إليه جميعًا.

وقد حفظ لهم ديننا مكانتهم، وصانت دولتنا حقوقهم بأنظمتها وتشريعاتها؛ فليكن خطابنا نحن جديرًا بهذه المكانة، ولنجعل من كلماتنا وممارساتنا امتدادًا لقيم مجتمعنا الأصيلة في البر والوفاء والاحترام.

*عضو مجلس إدارة جمعية كبار السن الأهلية بالرياض