الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ أغسطس-٢٠٢٦       6985

بقلمطارق محمود نواب

كان الطريق المهني في الماضي يبدو واضحا وبسيطا. يدرس الإنسان تخصصا معينا ثم يحصل على وظيفة ويقضي فيها معظم سنوات حياته حتى التقاعد. وكانت الاستمرارية علامة على النجاح والاستقرار. أما اليوم فقد تغير المشهد بصورة لافتة. فلم تعد الوظيفة الواحدة تمثل القاعدة كما كانت. بل أصبح التنقل بين المهن وتعلم مهارات جديدة وبناء مصادر دخل متعددة جزءا من الواقع الذي يفرضه سوق العمل الحديث.

فلم يعد هذا التحول ناتجا عن رغبة الأفراد في التغيير فقط. بل جاء نتيجة تغيرات اقتصادية وتقنية متسارعة. فالذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية أعادا رسم ملامح الوظائف والعمل عن بعد والاقتصاد الرقمي أعادت تشكيل طبيعة الوظائف. فاختفت بعض المهن التي كانت مستقرة لعقود طويلة. وفي المقابل ظهرت وظائف جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. وهذا يعني أن الموظف الذي يعتمد على مهارة واحدة قد يجد نفسه أمام سوق مختلف تماما خلال فترة قصيرة.

فكما تغيرت نظرة الشركات إلى الموظف. فلم يعد المطلوب شخصا يؤدي المهمة نفسها بالطريقة نفسها لسنوات طويلة. بل أصبح المطلوب موظفا قادرا على التعلم السريع والتكيف مع التقنيات الجديدة والعمل في بيئات متغيرة. ولهذا أصبحت المرونة المهنية إحدى أهم الصفات التي يبحث عنها أصحاب العمل. فالخبرة وحدها لم تعد كافية إذا لم يصاحبها استعداد دائم لاكتساب مهارات جديدة.

ومن جهة أخرى أصبح كثير من الأشخاص يفضلون تنويع مصادر دخلهم بدلا من الاعتماد على دخل مالي واحد. فقد يعمل الفرد في وظيفة ثابتة. وفي الوقت نفسه يقدم خدمات مستقلة أو يدير مشروعا رقميا أو يصنع محتوى أو يستثمر في مجالات مختلفة. ولم يعد هذا الخيار استثناء. بل أصبح بالنسبة إلى كثيرين وسيلة لتحقيق الاستقرار المالي في عالم تتغير فيه الظروف بسرعة.

لكن هذا التحول لا يخلو من التحديات. فالتنقل المستمر بين الوظائف قد يخلق شعورا بعدم الاستقرار. كما أن الحاجة إلى التعلم المستمر تفرض ضغوطا إضافية على الأفراد. لذلك لم يعد النجاح المهني يقاس بعدد سنوات البقاء في وظيفة واحدة. بل بالقدرة على التطور ومواكبة التغيرات دون فقدان الهوية المهنية.

ورغم ذلك فإن الوظيفة التقليدية لن تختفي بالكامل. فما زالت هناك قطاعات تحتاج إلى الاستقرار والخبرة الطويلة مثل الطب والتعليم  والهندسة وغيرها. إلا أن حتى هذه المهن بدأت تعتمد بصورة متزايدة على التقنيات الحديثة. وأصبح التعلم المستمر جزءا أساسيا من ممارسة أي مهنة مهما كانت طبيعتها.

ليبقي السؤال الحقيقي والمهم هل انتهى عصر الوظيفة الواحدة. بل هل يستطيع الإنسان أن يبقى قابلا للتعلم طوال حياته. فالمستقبل لن يكافئ من يتمسك بما يعرفه فقط. بل من يمتلك الشجاعة لتعلم ما لا يعرفه. ولذلك قد لا تكون الوظيفة الواحدة هي التي انتهت. وإنما انتهى الاعتقاد بأن النجاح المهني يمكن أن يستمر دون تطوير أو تغيير. ففي عالم يتحرك بهذه السرعة لن يكون الأمان في المسمى الوظيفي. بل في القدرة على التكيف مع كل مرحلة جديدة وصناعة فرصة جديدة كلما تغيرت قواعد اللعبة.