بقلم: علي حسن المفتاح
اليوم أكتب عن رجل لم يكن بالنسبة لي مجرد معلم أو مرشد طلابي، بل كان أحد الأشخاص الذين كان لهم دور في تشكيل شخصيتي، ودعم خطواتي الأولى في القيادة والعمل المجتمعي والإعلامي.
أكتب عن أستاذي ومعلمي جعفر علي آل خزعل رحمه الله.
البداية… حين كسر حاجز المرشد والطالب
تعرفت على الأستاذ جعفر عندما كان المرشد الطلابي في مدرسة العوامية الثانوية. وفي بداية علاقتنا لم أكن أعرف أن هذا الإنسان سيكون له هذا الأثر الكبير في حياتي.
أتذكر موقفاً بقي محفوراً في ذاكرتي؛ فقد كنت أرغب في الانتقال من صف إلى آخر، وتحدثت مع والدي حول الأمر وطلبت منه أن يتواصل معه.
في اليوم التالي، وما إن رآني الأستاذ جعفر حتى بادرني بالسلام، ثم تحدث معي بطريقة مختلفة تماماً عما كنت أتوقعه من مرشد طلابي.
طلب مني ألا أضع حاجزاً بيني وبينه، وأن يكون التواصل بيننا مباشراً، وأن أعتبره قريباً وصديقاً قبل أن يكون مرشداً طلابياً.
منذ تلك اللحظة بدأت علاقة تجاوزت حدود المدرسة والوظيفة، وتحولت إلى علاقة إنسانية امتدت لسنوات طويلة.
معلم رأى فيّ ما لم أره في نفسي
كان الأستاذ جعفر من الأشخاص الذين يمتلكون قدرة نادرة على اكتشاف الطاقات داخل الآخرين.
لم يكن ينظر إلى الطالب من خلال درجاته فقط، بل كان يبحث عن شخصيته وقدراته وما يمكن أن يصبح عليه.
كان يقول لي إنني أملك طاقة وأسلوباً لا يملكه غيري، وكان يرى فيّ أموراً لم أكن أراها في نفسي في ذلك الوقت.
ولعل أعظم ما قدمه لي لم يكن منصباً أو فرصة، بل كان تلك الثقة التي منحني إياها.
كان حازماً عندما يحتاج الأمر إلى الحزم، وأبوياً عندما يحتاج الإنسان إلى الاحتواء. كان يستمع كثيراً، ويشجع كثيراً، ويجعل من أمامه يشعر أن لديه القدرة على النجاح.
ومن الكلمات التي لا تزال ترافقني حتى اليوم قوله:
“ما كان لله ينمو، وما كان لغير الله يخبو ويندثر”و “لا تعرف باعمالك , اجعل اعمالك تعرف بك”
كانت هذه العبارات مدرسة كاملة في العمل والعطاء؛ أن قيمة الإنسان ليست بما يقوله عن نفسه، بل بما يتركه من أثر.
من طالب في الثانوية إلى قائد في العمل الطلابي
كان الأستاذ جعفر الداعم الأول لي للوصول إلى رئاسة مجلس الشورى الطلابي، ولم يكن دعمه مجرد تشجيع معنوي، بل كان دعماً حقيقياً يقوم على الثقة والتخطيط والعمل.
وبدعمه وإشرافه تأسست اللجنة الإعلامية بالمدرسة عام 1432هـ، وكذلك لجنة الأنشطة الطلابية عام 1432هـ، وكانت هذه التجارب من البدايات التي صنعت علاقتي بالإعلام والعمل المجتمعي.
لم يكن يقول لي فقط “افعل”، بل كان يجلس معي للتخطيط، ويناقش الأفكار، ويمنحني الثقة والمساحة للتجربة.
كانت غرفته في المدرسة أكثر من مكتب للمرشد الطلابي؛ كانت مكاناً ولدت فيه أفكار، وخُططت فيه مبادرات، وتشكلت فيه أحلام شاب بدأ يكتشف طريقه.
فتح لي أبواباً أكبر من حدود المدرسة
بفضل دعمه وتشجيعه، بدأت أخوض تجارب لم تكن عادية لطالب في المرحلة الثانوية.
تحت إشرافه التقينا بمدير عام التربية والتعليم بالمنطقة الشرقية، وقابلنا مشرف الإدارة المدرسية بمكتب التربية والتعليم بقطاع صفوى، وزرنا المجلس البلدي بالقطيف، وجريدة اليوم، وميناء الدمام.
وكان من أكثر اللقاءات التي بقي أثرها في نفسي لقاء مدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية؛ لأنه فتح أمامي باباً جديداً في التواصل مع المسؤولين وفهم العمل المؤسسي.
كما أن دعمه وثقته ساهما في أن تطلبني مدرسة العوامية المتوسطة ومدرسة البخاري بالاسم لتقديم البرامج الطلابية، وهي تجارب مبكرة منحتني الثقة والقدرة على التواصل والقيادة.
لم تنتهِ العلاقة بعد التخرج
كثير من العلاقات تنتهي بانتهاء المرحلة الدراسية، لكن علاقتي بالأستاذ جعفر لم تكن كذلك.
بعد تخرجي من الثانوية استمر التواصل بيننا. كان يزودني بين فترة وأخرى بكتب في القيادة والإدارة والدبلوماسية، لأنه كان يؤمن أن التعلم وبناء الشخصية لا يتوقفان عند حدود المدرسة.
حتى خلال فترة وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية بعد التخرج، بقي التواصل مستمراً، وكان يسأل عن دراستي ومستقبلي.
وعندما عدت وبدأت تأسيس اللجنة الشبابية بالعوامية، التي توسعت لاحقاً لتصبح مجموعة شبابية القطيف، كان الأستاذ جعفر من أوائل الداعمين لهذه التجربة.
لم يكن من الأشخاص الذين يكتفون بالكلام؛ كان يعمل.
ساعدنا في التعريف بالمشروع، ونسق لنا اللقاءات، وفتح لنا أبواب التواصل مع شخصيات مختلفة في القطيف وخارجها.
ومن الشخصيات التي كان لها تواصل ودعم عبر هذه المسيرة:
السيد محمد الدعلوج (أبو رائد) عضو مجلس المنطقة الشرقية، ورجل الأعمال شاكر آل نوح، والأستاذ جعفر الشايب مؤسس منتدى الثلاثاء، والقاضي محمد الجيراني رحمه الله.
رجل عمل من خلف الكواليس
رغم أن الأستاذ جعفر كان مختصاً بالعوامية، إلا أن نظرته كانت دائماً أوسع؛ كان يؤمن بأن خدمة المجتمع مسؤولية، وأن دعم الشباب هو استثمار في المستقبل.
خططنا معاً للعديد من المبادرات المجتمعية التي انطلقت لاحقاً في العوامية، ومنها محافل للتعريف بالموهوبين والشباب.
وخلال فترة دراستي في جامعة الدمام، التي أصبحت لاحقاً جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، استمر العمل بيننا على ملفات تتعلق بالتنمية والتعليم في بلدة العوامية، ومتابعتها مع المسؤولين.
كان يعمل بصمت، بعيداً عن الإعلام والأضواء، ولم يكن يبحث عن الظهور، لأن العمل بالنسبة له كان رسالة وليس وسيلة للشهرة.
آخر الرسائل… وآخر المواقف
قبل رحيله، بقي الأستاذ جعفر كما عرفته دائماً.
عندما توفيت جدتي رحمها الله، بادرني برسالة تعزية ومواساة، وكانت تلك الرسالة تحمل نفس الروح التي عرفتها منه طوال السنوات الماضية: إنسان قريب، ومهتم، وصاحب قلب حاضر.
وبعد ذلك، بتاريخ 20 مايو، أرسل لي موضوعاً يحتاج إلى متابعة مع البلدية والمرور، حول شارع تكثر فيه الحوادث والازدحامات.
كان همه كعادته أن يخدم المجتمع، وأن ينقل ملاحظة قد تحمي أرواح الناس.
وكانت المفارقة المؤلمة أنني علمت لاحقاً أن الأستاذ جعفر تعرض لحادث في هذا الموقع قبل وفاته بأسبوعين، وأن وفاته جاءت إثر مضاعفات ذلك الحادث.
كان الخبر صادماً وغير مستوعب.
فالشخص الذي أمضى حياته يتابع قضايا الناس، ويرى احتياجات مجتمعه، ويبحث عن الحلول، أصبح هو نفسه خبراً حزيناً فقده الجميع.
رحل المعلم وبقي الأثر
عندما وصلني خبر وفاته، عادت بي الذاكرة إلى أيام الثانوية؛ إلى جلساتنا الطويلة في وقت الفسحة، وفي بعض الحصص الفارغة، وإلى تلك الأحاديث التي كانت تصنع أفكاراً وتفتح آفاقاً.
رحل الأستاذ جعفر آل خزعل، لكن أمثاله لا يغيبون.
يبقى أثرهم في الأشخاص الذين دعموهم، وفي المبادرات التي ساهموا فيها، وفي الأجيال التي آمنوا بها.
سيبقى جعفر آل خزعل في ذاكرتي ليس فقط لأنه كان مرشداً طلابياً، بل لأنه كان معلماً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ معلماً يؤمن بالإنسان قبل إنجازه، وبالطاقة قبل ظهورها، وبالحلم قبل أن يصبح واقعاً.
رحم الله أستاذي ومعلمي جعفر علي آل خزعل.
شكراً لأنك لم تكن مجرد شخص مرّ في حياتي…
بل كنت أحد الأشخاص الذين ساهموا في صناعة البداية.
وسيظل اسمك مرتبطاً بكل أثر طيب تركته في هذه البلدة وهذا المجتمع.