الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ يوليو-٢٠٢٦       2805

بقلم - د. عبدالرحمن بن دحام السفان

قد ينسى مريض  الزهايمر  موعدًا، أو اسمًا، أو مكانًا. ومع مرور الوقت، قد ينسى كيف يعبر عما يشعر به، لكنه لا يفقد الإحساس بالألم.


قد يؤلمه أحد أسنانه، فلا يعرف كيف يخبرك. وقد يلتهب فمه، فيرفض الطعام. وقد يصبح أكثر انفعالًا أو اضطرابًا، فنظن أن هذا التغير جزء من المرض، بينما يكون السبب أقرب وأبسط مما نتصور: ألم لم يستطع صاحبه أن يصفه.

حين نتحدث عن الزهايمر، نفكر في الذاكرة. وحين نتحدث عن الأسنان، نفكر في التسوس. لكن العلم خلال السنوات الأخيرة بدأ يلفت انتباهنا إلى صورة أوسع؛ فالفم ليس عالمًا منفصلًا عن بقية الجسم، وصحته جزء من صحتنا العامة.

ومن هنا، أصبحت العلاقة المحتملة بين صحة الفم ومرض  الزهايمر  مجالًا متزايدًا للاهتمام والبحث العلمي.

تشير دراسات ومراجعات علمية إلى وجود ارتباط بين أمراض اللثة وفقدان الأسنان من جهة، وبين تراجع القدرات الإدراكية ومرض  الزهايمر  من جهة أخرى. ويحاول الباحثون فهم هذه العلاقة من زوايا متعددة، من بينها الالتهاب المزمن، والدور المحتمل لبعض البكتيريا المرتبطة بأمراض اللثة.

لكن هنا يجب أن نضع خطًا واضحًا بين ما نعرفه وما زلنا نحاول معرفته.

وجود ارتباط لا يعني بالضرورة وجود سبب مباشر. فلا نستطيع أن نقول إن التهاب اللثة يسبب الزهايمر، كما لا نستطيع أن نقول إن تنظيف الأسنان يمنع الإصابة به.  الزهايمر  مرض معقد تتداخل فيه عوامل كثيرة، وما زالت العلاقة بينه وبين صحة الفم قيد البحث.

لكن هناك جانبًا من هذه العلاقة نراه كل يوم في حياة المرضى وأسرهم: حين تتراجع الذاكرة، قد تتراجع معها القدرة على العناية بالفم.

في البداية، قد ينسى الشخص تنظيف أسنانه من حين إلى آخر. ثم قد تصبح خطوات بسيطة، مثل وضع المعجون على الفرشاة وتنظيف جميع الأسنان، أكثر صعوبة. ومع تقدم المرض، قد يصل إلى مرحلة يحتاج فيها إلى من يذكّره، ثم إلى من يساعده، وربما إلى من يتولى العناية بفمه بالكامل.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا.

فمريض  الزهايمر  قد لا يأتي إليك ويقول: سني يؤلمني.

قد يرفض فجأة وجبته المفضلة. قد يمضغ على جهة واحدة. قد يتوقف عن تناول الأطعمة الصلبة. قد يستيقظ ليلًا دون سبب واضح. قد يضع يده على خده، أو يصبح أكثر انفعالًا عندما يقترب أحد من وجهه.

وأحيانًا، نُرجع كل تغير في سلوكه إلى الزهايمر، بينما يكون خلف هذا التغير سن متسوس، أو التهاب في اللثة، أو قرحة مؤلمة، أو طقم أسنان لم يعد مناسبًا.

ليس كل تغير في السلوك سببه الذاكرة، أحيانًا يكون الألم هو الذي يتحدث.

ولهذا، لا ينبغي أن تكون صحة الفم والأسنان لدى مريض  الزهايمر  أمرًا ثانويًا لا نتذكره إلا عند حدوث طارئ.

العناية المبكرة تصنع فرقًا. ففي المراحل الأولى من المرض، يكون الشخص غالبًا أكثر قدرة على التعاون مع طبيب الأسنان والتعبير عن احتياجاته. ولذلك فإن فحص الأسنان مبكرًا، وعلاج المشكلات الموجودة، ووضع خطة وقائية للمستقبل، قد يوفر على المريض وأسرته كثيرًا من الألم والتعقيد لاحقًا.

ومع تقدم المرض، تصبح مراقبة صحة الفم جزءًا من الرعاية اليومية. نزيف اللثة، ورائحة الفم المستمرة، وصعوبة المضغ، ورفض الطعام، وتخلخل الأسنان، وجفاف الفم، كلها رسائل لا ينبغي تجاهلها.

ومساعدة المريض على تنظيف أسنانه ليست مسألة تجميلية، ولا تفصيلًا يمكن تأجيله. هي جزء من الحفاظ على صحته وراحته وقدرته على الأكل والكلام والعيش بكرامة.

ولا نحتاج إلى المبالغة في نتائج الدراسات حتى نعطي صحة الفم أهميتها. ولا نحتاج إلى القول إن تنظيف الأسنان يمنع  الزهايمر  حتى نشجع الناس على الاهتمام بها.

يكفينا ما نعرفه بالفعل.

نعرف أن الألم يؤثر في نوم الإنسان ومزاجه وحياته. ونعرف أن الالتهابات تحتاج إلى علاج. وأن صحة الأسنان تؤثر في القدرة على المضغ والتغذية. ونعرف، قبل كل ذلك، أن الإنسان الذي لم يعد قادرًا على التعبير عن ألمه يحتاج منا إلى انتباه أكبر، لا أقل.

سيواصل العلم بحثه في العلاقة بين الفم والدماغ، وقد تكشف السنوات المقبلة تفاصيل جديدة. لكن هناك مسؤولية إنسانية لا تحتاج إلى انتظار دراسة جديدة حتى نفهمها:

أن ننتبه إلى ما لا يستطيع المريض قوله.
أن نراقب ما تغير.
وأن نتذكر بالنيابة عمن بدأت ذاكرته تخونه.

فالزهايمر قد يأخذ من الإنسان أسماءً ووجوهًا وذكريات، لكنه لا يأخذ حقه في الراحة، ولا حقه في الرعاية، ولا حقه في أن يعيش دون ألم.

وحين ينسى مريض  الزهايمر  أن يطلب العناية، يجب ألا ننسى نحن أن نقدمها.

عن الكاتب : أخصائي وأستاذ مشارك في صحة أسنان المجتمع