بقلم - محمد عبدالوهاب السويعي
كان الآباء في الماضي يخشون على أبنائهم من رفاق السوء في الشارع، أما اليوم فقد أصبحت تلك الرفقة تعيش في جيوبهم. شاشة صغيرة لا يتجاوز حجمها بضع بوصات، لكنها قادرة على أن تؤثر في طريقة تفكيرهم، وتعيد تشكيل قيمهم، وتوجّه سلوكهم، وربما تنافس الأسرة والمدرسة في صناعة شخصية الطفل. لذلك لم يعد السؤال: هل يستخدم أطفالنا وسائل التواصل الاجتماعي؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يقود وعيهم ويصنع اهتماماتهم؟
لقد وضعت المملكة العربية السعودية من خلال رؤية 2030، بناء الإنسان في قلب مشروعها التنموي، إيمانًا بأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان قبل العمران. ومع هذا التحول الرقمي المتسارع تبرز مسؤولية جديدة تتمثل في حماية الأطفال داخل الفضاء الرقمي بما يضمن أن تكون التقنية وسيلة للنمو والمعرفة، لا سببًا في اضطراب الشخصية أو تشويه الوعي.
لم يعد الجدل يدور حول ما إذا كانت منصات التواصل الاجتماعي تؤثر في الأطفال، بل حول حجم هذا التأثير. فالأدلة العلمية تشير إلى أن الطفل، قبل سن السادسة عشرة، لا يزال في مرحلة يتواصل فيها نمو الدماغ، خصوصًا المناطق المسؤولة عن ضبط الانفعالات واتخاذ القرار. وصُممت منصات التواصل الاجتماعي بحيث تُبقي المستخدم متصلًا لأطول وقت ممكن، من خلال المحتوى المقترح، والإشعارات المستمرة، والتصفح اللانهائي.
وقد ربطت دراسات طبية الاستخدام المكثف لهذه المنصات بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم لدى بعض الأطفال والمراهقين، الأمر الذي دفع خبراء الصحة إلى الدعوة لتكاتف الأسر، والجهات التنظيمية، وشركات التقنية لحماية هذه الفئة. ولا تقتصر التأثيرات على الصحة النفسية. فالطفل الذي يقيس نجاحه بعدد الإعجابات والمتابعين يعيش في دائرة لا تنتهي من المقارنات، فتضعف ثقته بنفسه ويزداد تعلقه بالعالم الافتراضي على حساب الواقع. ومع مرور الوقت، تتراجع مهاراته الاجتماعية، ويصبح أكثر عرضة للتنمر الإلكتروني، والمعلومات المضللة، والمحتوى غير المناسب، فضلًا عن أخطار انتهاك الخصوصية والتواصل مع الغرباء والاستغلال الرقمي. لهذا، فإن الدعوة إلى تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي ليست دعوة إلى حرمانهم من التقنية أو إعادتهم إلى الماضي، وإنما دعوة إلى استخدام أكثر نضجًا واتزانًا. وقد بدأت دول عدة بالفعل في مراجعة تشريعاتها، وتشديد التحقق من أعمار المستخدمين، بل وفرض قيود أشد على وصول الأطفال إلى بعض المنصات الرقمية، ورفع الحد الأدنى للعمر في عدد من التشريعات المقترحة أو المعتمدة، انطلاقًا من قناعة بأن حماية الطفل مسؤولية مجتمعية، وليست عبئًا تتحمله الأسرة وحدها.
وفي المملكة العربية السعودية تنسجم هذه التوجهات مع الجهود الوطنية الرامية إلى بناء مجتمع رقمي آمن، من خلال تعزيز الوعي بالأمن السيبراني، ونشر الثقافة الرقمية، وترسيخ قيم الاستخدام المسؤول للتقنية. غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة، والمدرسة، والجهات التنظيمية، وشركات التقنية. فالأسرة مطالبة بأن تكون حاضرة في الحياة الرقمية لأبنائها بالحوار والثقة قبل الرقابة، وأن تضع حدودًا واضحة لاستخدام الأجهزة بما يتناسب مع أعمارهم. والمدرسة مطالبة بأن تغرس في الطلاب مهارات التفكير النقدي والثقافة الإعلامية والوعي الرقمي، حتى يصبحوا قادرين على التمييز بين الحقيقة والتضليل. أما منصات التواصل الاجتماعي، فلا بد أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية عبر تطوير وسائل أكثر فاعلية للتحقق من العمر، وتعزيز حماية خصوصية الأطفال، والحد من الخصائص التي تشجع على الإدمان الرقمي.
ومن أفضل الطرق لإبعاد الأطفال عن استخدام منصات التواصل الاجتماعي، تقديم بدائل أكثر جاذبية لهم. فالرياضة، والقراءة، والأنشطة الأسرية، والألعاب الذهنية، وممارسة الهوايات المحببة للطفل، كلها تصنع طفلًا أكثر توازنًا وثقة بنفسه، وتمنحه تجارب حقيقية لا يمكن لأي منصة اجتماعية أن تعوضها.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نترك مستقبل جيل كامل يتشكل وفق ما تقرره أنظمة منصات التواصل الاجتماعي، فهي لا تعرف أبناءنا، ولا تدرك احتياجاتهم، ولا يهمها بناء شخصياتهم بقدر ما يهمها كسب مزيد من وقتهم وانتباههم. فالمنصة لا تربي طفلًا، بل تسعى إلى الاحتفاظ بانتباهه أطول وقت ممكن، وهناك فرق كبير بين التربية وجذب الانتباه.
إن حماية الطفولة في عصر منصات التواصل الاجتماعي لم تعد خيارًا، بل أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة. وعندما تتكامل أدوار الأسرة، والمدرسة، والتشريعات المنظمة، وشركات التقنية، نستطيع أن نصنع جيلًا يوظف التقنية لبناء مستقبله، لا جيلًا تقوده منصات التواصل الاجتماعي. فالتقنية ستظل من أعظم منجزات الإنسان، لكن قيمتها الحقيقية لا تقاس بقدرتها على جذب الأطفال، بل بقدرتها على صناعة مستقبلهم. وحين تبقى التقنية في خدمة الإنسان، لا العكس، نكون قد انتصرنا لمستقبل أبنائنا قبل أن ننتصر للتقنية نفسها.