بقلم- د.طارق بن حزام
خرج من المجلس وهو يشعر بثقلٍ في صدره.
كان مقتنعًا أن الحديث توقف لحظة دخوله، وأن النظرات التي تبادلها الجالسون كانت تعنيه وحده.
عاد إلى منزله مثقلًا بالغضب، وأغلق هاتفه، وقرر ألا يزورهم مرة أخرى.
مرت أيام قبل أن يعلم، مصادفةً، أن الجميع كانوا يناقشون مشكلة تخص أحد الأقارب، ولم يكن حاضرًا في أذهانهم أصلًا.
لكن بالنسبة إليه، كان الوهم قد أصبح حقيقة، وبنى عليه موقفًا كاد أن يهدم سنواتٍ من المودة.
هذه الصورة قد تبدو مألوفة، لكنها تكشف جانبًا بالغ الحساسية من بعض الاضطرابات النفسية؛ إذ لا تكمن المشكلة في الفكرة الخاطئة بحد ذاتها، وإنما في اليقين المطلق بها. فالمضطرب لا يشعر أنه يسيء الفهم، بل يعتقد أنه يرى الواقع كما هو، ويبني على ذلك أحكامه ومواقفه وعلاقاته بالآخرين.
وحينها قد يقرأ في النظرات اتهامًا، وفي الصمت تجاهلًا، وفي النصيحة إساءة، وفي الاختلاف عداوة. وقد يفسر تأخر اتصالٍ على أنه إهمال، أو اهتمام قريبٍ على أنه محاولة للسيطرة عليه. ومع تراكم هذه التفسيرات، يترسخ اقتناعه بأن الآخرين يتعمدون إيذاءه أو التقليل من شأنه، فيبتعد عنهم أو يواجههم بثقةٍ يظن معها أنه يدافع عن حقيقة، بينما كانت تلك القناعة وليدة الاضطراب لا الواقع.
غير أن هذه الصورة ليست نهاية الطريق. فمع بدء العلاج والالتزام بالمتابعة، يبدأ الضباب بالانقشاع تدريجيًا، ويستعيد الإنسان هدوءه وقدرته على رؤية الأمور بوضوح. ويكتشف أن ما كان يخشاه أو ينكره كان في الحقيقة أحد أهم أسباب عودته إلى التوازن، وأن جلسات العلاج لم تكن مجرد إجراءٍ عادي، بل مساحة آمنة لفهم ما يمر به والتعبير عنه دون خوف أو خجل.
ثم تأتي مرحلة الاستبصار، وهي من أعمق مراحل التعافي وأشدها أثرًا. ففيها يعيد الإنسان النظر في كثيرٍ من مواقفه السابقة، ويكتشف أن بعض شكوكه لم تكن تعكس الحقيقة، وأن أشخاصًا ظنهم خصومًا كانوا في الواقع من أكثر الناس حرصًا عليه، وأن كلماتٍ حملها على غير معناها لم تكن تقصد ما فهمه منها. وليس أشد على النفس من أن يدرك الإنسان أن معركته الكبرى لم تكن مع الآخرين، بل مع إدراكٍ خانه مؤقتًا، وأنه ربما جرح أناسًا أحبوه، وأساء الظن بمن كانوا يريدون له الخير، وهو يعتقد أنه يحمي نفسه.
ولا يكتمل التعافي بالدواء وحده، بل يحتاج إلى وعيٍ بطبيعة الحالة، وصبرٍ على رحلة العلاج، ودعمٍ من الأسرة والمجتمع، بعيدًا عن الوصمة أو السخرية أو الأحكام المسبقة. فالاضطرابات النفسية ليست ضعفًا في الشخصية، ولا نقصًا في الإرادة، وإنما حالات صحية تستحق الفهم والرعاية والعلاج.
إن أخطر ما في بعض الاضطرابات النفسية أنها لا تزرع فكرةً خاطئة فحسب، بل تمنح صاحبها يقينًا يصعب عليه التشكيك فيه. ولذلك فإن طلب المساعدة عند ظهور الأعراض ليس علامة ضعف، بل موقفٌ شجاع يحمي الإنسان من خسارة علاقاتٍ عزيزة، أو اتخاذ قراراتٍ قد يندم عليها عندما يستعيد صفاء ذهنه.
ويبقى الفرق بين الوهم والحقيقة أوسع مما نتخيل؛ فالوهم قد يغيّر نظرتنا إلى الناس، لكن العلاج يعيد إلينا القدرة على رؤيتهم كما هم، لا كما يصورهم لنا الاضطراب. وما بين الوهم والحقيقة يقف العلاج جسرًا يعيد للإنسان وضوح الرؤية، ويحفظ علاقاته، ويمنحه فرصةً جديدة ليبدأ من جديد.