الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ يوليو-٢٠٢٦       3850

بقلم ـ امل سلامة سمران الشامان

كم هو جميل أن نحمل معنا

كاميرا توثق تفاصيل الرحلة، لكن الأجمل أن نحمل قلبًا يعيشها.

لم يعد السفر اليوم كما كان في الماضي؛ كان المسافر يعود محملًا بالحكايات، أما اليوم فيعود محملًا بآلاف الصور، وربما لم يمنح نفسه الوقت الكافي ليصنع ذكرى واحدة عاشها بكل حواسه.

 

لا أعترض على تصوير السفر، فالصورة ذاكرة لا تشيخ، ولحظة تستطيع أن تعيد إلينا شعورًا ظنناه قد رحل. صورة لشروق شمس، أو شارع قديم، أو ابتسامة عابرة، قد تصبح بعد سنوات أثمن مما كنا نتوقع. كما أن الصورة أصبحت لغة عالمية تنقل جمال البلدان، وتعرّف الناس بثقافات الشعوب، وتدعم السياحة، بل وتحولت لدى البعض إلى مهنة وإبداع ورسالة.

 

لكن ما يدعو إلى التأمل هو أن الكاميرا بدأت، في بعض الرحلات، تقود المسافر بدلًا من أن تخدمه.

 

أصبح البعض يقف أمام المشهد الطبيعي بعيني هاتفه أكثر من عينيه، ويبحث عن إعجاب المتابعين أكثر من إعجابه هو بما يرى. تمر أمامه اللحظة الحقيقية، بينما ينشغل بتعديل زاوية التصوير أو إعادة اللقطة مرات عديدة، حتى تصبح الرحلة جلسة تصوير أكثر منها رحلة حياة.

 

وللأسف، تجاوز الأمر ذلك عند بعض الناس؛ فأصبحوا يخاطرون بأنفسهم من أجل صورة، أو يقتحمون خصوصيات الآخرين دون استئذان، أو يصورون كل تفاصيل حياتهم حتى فقدت الذكريات شيئًا من قيمتها، لأن كل شيء أصبح معروضًا قبل أن يُعاش.

 

ليست المشكلة في العدسة، بل فيمن جعلها مركز الرحلة. فالصور الجميلة لا تُقاس بدقتها، بل بالمشاعر التي تختزنها. وهناك لحظات لا تستطيع أي كاميرا أن تنقل دفء نسيمها، ولا رهبة موقفها، ولا سكينة شعورها.

 

لذلك، اجعل الكاميرا رفيقة الطريق، لا قائدته. صوّر ما يستحق أن يبقى، ثم أطفئ الهاتف، وارفع رأسك، وانظر إلى الأفق بعينيك. فبعض المناظر خُلقت لتُعاش قبل أن تُصوَّر، وبعض الذكريات تسكن القلب أعمق مما تسكن ألبوم الصور.

 

فالرحلات لا تُقاس بعدد اللقطات، بل بعدد اللحظات التي غيّرت شيئًا في أرواحنا، وجعلتنا نعود إلى أوطاننا بقلوبٍ أكثر اتساعًا، لا 

بهواتف أكثر امتلاء

فالعدسة لا ترى كل شىء

وتبقى الرحلة أسيرة الكاميرا