حوار - حسين السنونه
لا يعتقد القاص والروائي عبدالله الرستم في حديثه مع صحيفة "النهار" أن القصة القصيرة تعاني ضعفًا في حضورها الإبداعي بقدر ما تعاني تراجعًا في حضورها الإعلامي والجماهيري. صحيح عدد المبدعين في هذا المجال قليل لكن تجاربهم لافتة، بينما الرواية تحظى باهتمام أكبر من دور النشر والجوائز ووسائل الإعلام لا لجودة ما يُطرح فيها ولكن بسبب طبيعة القارئ العربي والسعودي تحديداً الذي يميل إلى الأكثر قابلية للتسويق، خصوصاً مع انتشار ظاهرة الروايات الفانتازيا وقصص عالم الجن وحكايات ما وراء الطبيعة.
ماذا تقول عن تجربتك القصصية بعد السنوات من خلال النشر والاحتفاء بالإصدارات المتعددة ؟
حين أنظر إلى تجربتي القصصية بعد هذه السنوات العشرين، لا أراها مجرد عناوين أُضيفت إلى رفوف المكتبات، بل أراها رحلةً من الإصغاء العميق إلى مكنون الإنسان، ومحاولةً دؤوبة لالتقاط ما يختبئ خلف التفاصيل الصغيرة من أسئلةٍ وأحلامٍ وانكسارات. لقد أنجزت ثلاث مجموعات قصصية ورواية، زادت في صقل أدواتي الفنية، وتوسيع رؤيتي للسرد، والاقتراب أكثر من جوهر الحكاية.
فقد حظيت الإصدارات باحتفاء نقدي وإشاداتٍ مشجعة من القرّاء والمهتمين، فإنني أؤمن بأن القيمة الحقيقية لأي نص لا تُقاس بما يناله من صدى آني، بل بقدرته على البقاء في الذاكرة، وإثارة الأسئلة.
أما على مستوى الانتشار، فقد اصطدمت بعقباتٍ تتعلّق بالتسويق والتوزيع، للأسف لم تصل بعض أعمالي إلى الشريحة التي كنت أطمح إليها من القرّاء.
ومع ذلك، لم يكن هذا الخذلان سبباً للتراجع، بل كان باعثاً على مزيدٍ من الإيمان بأن الكاتب مسؤول أولاً عن جودة ما يكتب، أما الانتشار فله أسبابه وظروفه.
كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟
لا أعتقد أن القصة القصيرة تعاني ضعفًا في حضورها الإبداعي بقدر ما تعاني تراجعًا في حضورها الإعلامي والجماهيري. صحيح عدد المبدعين في هذا المجال قليل لكن تجاربهم لافتة، بينما الرواية تحظى باهتمام أكبر من دور النشر والجوائز ووسائل الإعلام لا لجودة ما يُطرح فيها ولكن بسبب طبيعة القارئ العربي والسعودي تحديداً الذي يميل إلى الأكثر قابلية للتسويق، خصوصاً مع انتشار ظاهرة الروايات الفانتازيا وقصص عالم الجن وحكايات ما وراء الطبيعة.
وربما ذائقة القارئ اليوم اختلفت وأصبحت لا تُدرك معالم و جمال القصة القصيرة، لأن القصة القصيرة فنٌ يحتاج إلى قارئ يمتلك مهارة ذهنية عالية للتأمل والالتقاط، وهو ما جعل هذا الفن يبدو أقل حضورًا، رغم أنه لم يفقد قيمته ولا قدرته على التجدد، فكثير من الروائيين الكبار بدأوا من عتبة القصة القصيرة.
ماذا تقول عن تطور المشهد الثقافي في المملكة في كل المجالات الأدبية؟
أرى أن المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية يعيش اليوم مرحلةً تنموية واسعة. حيث أصبحت الثقافة جزءًا أصيلًا من مشروع التنمية الوطنية، وانفتح المجال أمام مختلف الأجناس الأدبية للمهتمين على مستوى القصة والشعر والفن والنقد والترجمة، وهذا الاهتمام انعكس في جودة كثير من المنجزات الأدبية، وعلى إثر ذلك برزت أصوات واعدة جديدة، تنتظر فُرَصاً أكثر للبروز على المستوى المحلي والدولي.
ماذا تعني لك القراءة والكتابة؟ وماذا لو توقفت عنهم؟
القراءة والكتابة بالنسبة إليّ أشبه ما يكون بنافذتين أطلّ منهما على العالم وعلى نفسي. بالقراءة أعيش تجارب لم أعشها، وأرتحل في الأزمنة والأمكنة وأنا في مكاني. أما الكتابة فهي الوجه الآخر للقراءة، أنثر كل ما يجود به فكري من قصص وتجارب خضتها أو خاضها غيري.
ولو توقفت عن القراءة والكتابة ربما تجفّ معهما عيناي فلا أبصر بهما الحياة بكل تفاصيلها الجميلة.
وقد أحسن أبو الطيب المتنبي حين قال:
أعزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرْج سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
فإذا كان سرج الجواد رمزاً للسعي في ميادين الحياة، فإن الكتاب هو الرفيق الذي يقود ذلك السعي إلى المعرفة والحكمة، لذلك لا أتصور نفسي بعيدًا عن القراءة والكتابة؛ فهما ليستا ترفًا ثقافيًا، بل هما غذاء للروح والفكر.
لديك عدم اقتناع بالنقد والنقاد، وهذا من سنوات وليس جديداً، هل تغيرت قناعتك في النقد وأهله وما التعليل؟
في الواقع لم تتغير قناعتي حتى الآن، وإنما ازدادت وضوحًا من ذي قبل، فأنا لا أقف موقف الخصومة من النقد وإنما من الناقد نفسه، لكونه شريكاً في صناعة الوعي الأدبي، بل إنني أؤمن بأن النقد الحقيقي هو الجسر الذي تعبر عليه الأعمال الأدبية إلى الإبداع في المنتج.
لذلك أطالب بحضور وتواجد النقد المؤسسي الفاعل، بعيداً عن المجاملات أو الأحكام الانطباعية، كثير مما يُقدَّم اليوم من نقد يُصاحب صدور الكتاب ولا يسبقه، بينما أرى أن للنقد دوراً ينبغي أن يبدأ قبل النشر، من خلال تعاون حقيقي بين دور النشر ونقاد متخصصين يقرأون النصوص المخطوطة بوعي ومسؤولية، فيلفتون نظر الكاتب إلى مواطن القوة ليعززها، وإلى مواطن الضعف فيعالجها، ليخرج العمل بعد ذلك أكثر نضجاً وجاهزية، وهذا ما حدث معي في مجموعتي القصصية (النبش بين الركام) الذي سبق طباعة المجموعة نقداً نوعياً من نقّاد أكاديميين متخصصين مما أسهمَ في نجاح المجموعة ونال استحسان القراء بمختلف توجهاتهم.
كيف ترى مستوى القصة القصيرة في المنطقة الشرقية؟
أرى أن المنطقة الشرقية هي العاصمة غير المعلنة للقصة القصيرة في المملكة؛ فهي رحم ولود من القاصين الذين أسهموا في ترسيخ هذا الفن وتطويره، ولهم حضور مؤثر على المستوى المحلي والعربي. ويكفي أن نتأمل أسماء مثل ناصر الجاسم، وحسن الشيخ، وخليل الفزيع، وعبدالله النصر وطاهرة آل سيف، وموسى الثنيان، وحسن السنونة، وطاهر الزارعي، وأسامة المسلم، وجاسم الجاسم وحسين الأمير وحسن الحجي وغيرهم، لندرك حجم الثراء السردي الذي تحتضنه المنطقة.
لذلك أستطيع القول إن القصة القصيرة في المنطقة الشرقية ليست مجرد حضور عددي، بل حضور نوعي، حيث تُعد أحد أهم الروافد التي أغنت المشهد القصصي السعودي.
أين تجد نفسك في القصة القصيرة ام عالم الرواية ولماذا؟
رغم تجربتي الوحيدة في كتابة الرواية إلا أني أجد نفسي في القصة القصيرة أكثر مما أجدها في الرواية؛ لأنه يوافق طبعي ويترجم ما في جعبتي، ولأن نَفَسي في الكتابة قصير، لكنه مشحون بما أريد قوله، ولذلك أميل إلى التكثيف أكثر من الاستطراد.
حدثنا عن تجربتك في برامج معتزلات الكتابة؟ وما هي الاستفادة من البرنامج بالنسبة لك؟
كانت تجربة ثرية في مسيرتي الإبداعية. لم تكن مجرد أيام قضيناها في الكتابة أو مناقشة نصوص بعضنا البعض، بل كانت عزلة جميلة مع الذات والنص، في بيئة محفزة على التأمل والإنتاج. أقيم المعتزل في محافظة عنيزة، كانت الأجواء فيها ماطرة، وكأن المطر كان شريكاً خفياً في ولادة الحكايات.
أما على المستوى الإبداعي، فقد أثمرت تلك التجربة عن كتابة أربع قصص جديدة، أعدّها من أحب ما أنجزت؛ لأنها وُلدت في مناخ يتوافر فيه الهدوء، والتركيز.
وعلى المستوى الشخصي، كانت هناك مكاسب لا تقل أهمية؛ إذ تعرّفت إلى نخبة من الكتّاب والأصدقاء الذين ما زلت أعتز بعلاقتي بهم حتى اليوم، وهو ما يؤكد أن مثل هذه البرامج لا تصنع نصوصًا فحسب، بل تبني جسورًا بين المبدعين، لذلك أرى أن معتزلات الكتابة تمثل فرصة حقيقية لكل كاتب؛ فهي تمنحه الوقت الذي يفتقده في زحام الحياة، وبالتالي يرفع من مستوى وعيه ويُمَكّنه أكثر من أدواته الإبداعية في الكتابة.
في المشهد الأدبي، هناك المكرّس والمشهور في المشهد، هناك الاسم المعروف والنص غير المعروف، كيف ترى هذين الأمرين؟
من وجهة نظري أن المشهد الأدبي لا يُقاس بالأسماء اللامعة، وإنما بجودة النصوص. فالاسم المكرَّس قد يمنح صاحبه حضوراً إعلامياً، لكنه لا يمنح نصَّه الإبداع والخلود على افتراض لو كان النص هشاً، كما أن الكاتب المغمور قد يكتب نصاً يبقى في الذاكرة أكثر من عشرات الأسماء اللامعة.
ومع سهولة الظهور الإعلامي اليوم – مع الأسف - أفرز لنا بعض الأسماء أكثر شهرةً من منجزها الأدبي، بينما يظل النص مجهولاً، وفي المقابل، هناك كتّاب حقيقيون يمتلكون أدوات السرد، لكنهم يعملون بصمت بعيداً عن الأضواء.
فأنا على يقين أنّ الأسماء التي قامت على العلاقات أو الضجيج أو كثرة الإصدارات دون جودة، فإنها تخبو مع الوقت. فالبقاء والخلود في النهاية لا يحققه إلا النص الجيد.
اليوم تشهد الرواية المحلية صعوداً مستمراً، ما قولك في الروايات التي برزت مؤخراً؟
يمكن القول إن الرواية السعودية تشهد صعوداً ملحوظاً من حيث الانتشار والتلقي، لكن بلوغها المستوى المأمول فنياً لا يزال يحتاج إلى مزيد من التجارب والعمل الدؤوب، ويُعد أسامة المسلم أبرز الظواهر الروائية في السنوات الأخيرة، إذ نجح في الوصول إلى جمهور عربي واسع، وأثبت أن الرواية السعودية قادرة على العبور خارج حدودها عندما تجتمع الفكرة الجذابة مع القدرة على مخاطبة القارئ.
ماذا تتمني من المؤسسات الثقافية تجاه الأدب والثقافة؟
أتمنى من المؤسسات الثقافية في السعودية أن تواصل دعم الأدباء والمبدعين الشباب، وأن تمنح القصة والرواية عناية أكبر عبر برامج مستدامة، وورش احترافية، ومبادرات لاكتشاف المواهب الشابة.
هل تحتاج القصة القصيرة إلى المهرجانات للحضور الأكبر؟
لا أرى أن القصة القصيرة تحتاج إلى المهرجانات بقدر ما تحتاج إلى قارئ شغوف ونصوص تستحق البقاء. فالمهرجانات قد تمنحها مساحة للتعريف والالتفات المؤقت، لكنها لا تصنع قيمتها ولا تضمن استمرار حضورها. الحضور الحقيقي للقصة القصيرة يأتي من جودة الكتابة، وعمق التجربة، وقدرتها على مصافحة ذائقة القارئ، نعم المهرجان وسيلة مساعدة، أما الأصل فهو النص نفسه.
لماذا هناك غياب لحضور القصة العاطفية الرومانسية للقاصين في المملكة؟
القصة العاطفية والرومانسية ليست غائبة عن المشهد القصصي السعودي، لكنها - في نفس الوقت - ليست تيّاراً غالباً على الرواية. فالكاتب السعودي انشغل كثيراً بالتحولات الاجتماعية والهوية والأسئلة الوجودية، فجاءت العاطفة جزءاً من النص لا جوهره، ومع ذلك لدينا نماذج قدّمت الحب بعمق وجمال، مثل أعمال محمد السالم في حبيبتي بكماء، وعبده خال في لوعة الغاوية، وبدرية البشر في غراميات شارع الأعشى، وغازي القصيبي في حكاية حب، كما أن بعض نصوص أسامة المسلم تضمنت خطوطًا عاطفية ضمن بعض أعماله، وغيرهم كثير لا تحضرني أعمالهم.
هل هناك روايات سعودية تستحق ان تتحول إلى عمل درامي ؟
بلا شك، الرواية السعودية اليوم تمتلك مخزونًا سردياً ثرياً يؤهل كثيراً من أعمالها لأن تتحول إلى أعمال درامية وسينمائية ذات قيمة فنية عالية، لا سيما بعد التطور الكبير الذي تشهده صناعة الدراما في المملكة، وأرى أن روايتَي (مدن تأكل العشب) و (لوعة الغاوية) للروائي السعودي عبده خال من أبرز الأعمال التي تمتلك هذا المقوّم؛ لما فيهما من كثافة درامية، وتشابك في الشخصيات، وعمق في الصراع الإنساني والاجتماعي.
كذلك رواية (طوق الحمام) للروائية رجاء عالم التي تسرد فيها حكاية حجازية تدور أحداثها في مكة القديمة في أحداث مشوقة وجميلة.
كما أرشّح روايتَي: (الحب يلتهم الفيروس) و(قُبلة من فم العنكبوت) للروائي السعودي عبدالوهاب آل مرعي، وأُرشّح رواية: (العائدون من الغرق) للروائي المبدع موسى الثنيان كعمل سينمائي يحكي فيها عن أحوال الناس وحكاياتهم مع البحر وأهواله.
كيف ترى تجربة الشريك الادبي ومعتزلات الكتابة كمثقف؟
أراهما من أهم المبادرات الثقافية؛ فالشريك الأدبي يوسّع أفق القراءة والحوار، ومعتزلات الكتابة تمنح الكاتب بيئة هادئة تُثمر نصوصًا أكثر نضجًا وجودة.
كيف ترى حضور القصة القصيرة جدًا في المملكة، وماهي أسباب عدم الانتشار الكبير لها؟
أعتقد إن القصة القصيرة جدًا في المملكة فناً نخبوياً وقليل من يُتقنه بالشكل المطلوب، بسبب عدم تحقق شروط القصة عند بعض الكُتاب وعدم تفريقه بين الخاطرة والقصة، يرجع ذلك إلى أن هذا الفن شديد التكثيف، ويحتاج إلى مهارة عالية في الاقتصاد اللغوي وصناعة الدهشة، لا يزال هذا الفن بحاجة إلى مزيد من الدعم النقدي، والاحتفاء الإعلامي، والمسابقات المتخصصة، حتى يصل إلى شريحة أوسع من القرّاء.
ماذا تقول بعد هذه السنوات التي أمضيتها في الكتابة الثقافية والأدبية والقصصية؟
بعد أكثر من عشرين عامًا في دروب الكتابة، ما زلت أشعر أنني تلميذٌ على عتبة الأدب، كانت هذه السنوات حافلة بالأمسيات الأدبية والحوارات الصحفية والإصدارات المتنوعة، ورغم كل هذا أرى أنّ الكاتب الحقيقي لا يبلغ سنَّ الرشد في الكتابة، لأن الأدب رحلةُ تعلُّم لا محطة وصول، وما زلت أؤمن أن أجمل نص لم أكتبه بعد.
هل هناك فكرة مشروع رواية جديد؟
من دواعي سروري أن أقول إن فكرة الرواية الجديدة ترافقني منذ فترة، وهي رواية ذات طابع تاريخي وديني، تستلهم أحداثًا وشخصيات تستحق أن تُروى وتُوثَّق أدبيًا، وما زالت في طور الكتابة، وآمل أن ترى النور قريبًا وتجد طريقها إلى القارئ كما أتمنى.
هل ترى بأن القصة بحاجة إلى مهرجان سنويّ في المملكة مثل الشعر والفلسفة؟
أرى أن القصة بحاجة إلى ما هو أبعد من مهرجان سنوي، فالمهرجان مهم للاحتفاء بالمنجز، لكنه لا يصنع كتّاباً وحده، ما تحتاجه القصة هو مشروع متكامل يبدأ من المدرسة، عبر مناهج تُنمّي الخيال والكتابة عند الطالب، وأكاديميات وورش متخصصة لصقل المواهب، وبرامج لاكتشاف الكتّاب الصغار وتحفيزهم، كما تفعل أكاديميات وكشافة كرة القدم في اكتشاف اللاعبين، حينها سيكون المهرجان تتويجاً لحراكٍ إبداعي مستمر، لا فعالية موسمية تنتهي بانتهاء أيامها.
تمتاز في كتاباتك القصصية بالنفَس السردي القوي واللغة الجميلة وأيضا تصوير للشخصية.. كيف صنعت ذلك؟
بالقراءة الواعية، والكاتب الجيد هو من يقرأ ثم يقرأ ثم يقرأ ثم يكتب، حتى يحصل على مخزون لغوي وخيال ساحر، ويُصبح يده سيّالاً في الكتابة وزراعة التشويق، ويقود القارئ من مشهد إلى آخر دون أن يشعر بالملل.
أما اللغة الجميلة، فهي التي تخدم السرد وتجاريه، لا أن تتفوّق عليه، باعتبار أن القصة مضمون حي يُطرّزه لغة جميلة لتبقى في ذاكرة القارئ.
وأما تصوير الشخصية، فلا يكون بوصف ملامحها الخارجية فحسب، بل يكشف انفعالاتها وتناقضاتها وصراعاتها.
عموماً لا تُصقل الكتابة الجيدة إلا بالممارسة، وكثرة القراءة في عيون الأدب، ثم إعادة كتابة النصوص مراراً حتى يبلغ السرد نضجه.
هل هناك قاصون في المملكة تقف عنده تجربتهم القصصية ؟
نعم، هناك أسماء قصصية سعودية أجد نفسي أقف عندها كثيرًا، لا لمجرد شهرتها، بل لأن نصوصها تمتلك قدرة على البقاء وإعادة القراءة، في مقدمة هؤلاء عبده خال بلغته الجريئة وقدرته على بلوغ النشوة السردية ذروتها من خلال حكايات أهل الحارة القديمة وسرد المشاهد بلغة رصينة ورائعة، وكذلك الكاتبة أثير النشمي صوت نسائي لامع ومميز، تمتلك قدرة كبيرة في سبر أغوار النفس ونبشها لتسرد لنا حكاية من داخل هذا العمق، كذلك الكاتب القدير عبدالعزيز مشري بلغته الشفيفة وإنسانيته العميقة، والأستاذ جبير المليحان الذي قدّم القصة السعودية بنبرة إبداعية شيقة ومثيرة، إلى جانب الكاتبة القديرة قماشة العليان وسردها للقصص الاجتماعية المميزة والكاتب القدير يوسف المحيميد ومشاغبته للغة وطريقة سرده للقصص والحكايات الجريئة.
يقال أنك متمكن من عناصر القصة وتهتم كثير بالبيئة المحلية؟
هذا شرفٌ لا أدعيه وتهمة لا أنكرها، تمكّني من أدوات القصة نتيجةَ تعلّم وقراءة وتجربة متراكمة، أما البيئة المحلية فهي نبض نصوصي وروحها؛ منها أستمدُّ الشخصيات، وألتقط التفاصيل، وأصوغ الحكاية بملامحها الأصيلة، لأنني أؤمن أن النص إذا خرج من رحم البيئة يكون أكثر وفاءً وخلوداً و وصولاً إلى الإنسان في كل مكان.
يطلق على الكثير من نصوصك أنك تدمج بين الماضي والحاضر ماذا تقول في ذلك؟
لا أنكر ذلك، لأني أحاول أن أجعل الزمنين يتحاوران داخل النص؛ فالماضي يمنحه العمق، والحاضر يمنحه النبض. وما دام الإنسان يحمل ذاكرته معه فهذا يُعد له مخزون سردي ورصيد معرفي يستطيع من خلاله خلق نصوص بارعة غنية بعناصر التشويق والجمال.
كثير من نصوصك تستحق ان تكون رواية او هي فكرة رواية لماذا لا تعمل عليها كرواية؟
ذكرتُ لك في جوابٍ سابق، نَفَسي في كتابة الرواية قصير، فالرواية تحتاج مني إلى مخزون عالي من الأحداث و الشخصيات ومتسع من الوقت لأكتب فيه، لكن هذا لا يعني أني لن أفعلها، سأكتب الرواية كما ينبغي أن تُكتب، فأنا أنتظر الفرصة فقط.
في رايك هل تفاصيل حياة الانسان تستحق ان تكون قصة او رواية ولماذا؟
نعم يمكن أن تكون تفاصيل حياة الإنسان الدقيقة قصة أو رواية، إذا استطاع الكاتب أن يرسم ملامحها بشكلٍ جيد، فكلما غاص الكاتب في هذه التفاصيل خرج لنا بنص فريد ومميز، فكثير من الأعمال الخالدة وُلدت من تفاصيل يومية بسيطة.
مجموعتك القصصية "النبش بين الركام" هل نبش في اوجاع واحلام الناس؟
هذا صحيح، وأسعدني رأي كثير من القرّاء بمختلفِ فئاتهم العمرية وتوجهاتهم أنّ ما طُرح من نصوص في المجموعة كانت تحاكي أوجاعهم المنسية وأحلامهم المؤجلة، لأن القصة في نظري لا يكتفي بوصف الألم، بل يكشف ما يختبئ في الركام من أمل.
"النص الذي لم يكتب لك كتب لغيرك" مارايك في هذه المقولة؟
لا أتفق مع هذه المقولة على إطلاقها؛ فالنص ابنُ صاحبه، يحمل صوته ورؤيته وأسلوبه، قد تتشابه الأفكار، لكن الاختلاف الحقيقي يكمن في بصمة الكاتب وطريقته. لذلك أؤمن بأن النص الذي لم أكتبه ليس بالضرورة كُتب لغيري، وإنما لكل كاتب نصه الذي لا يشبهه فيه أحد.