الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يوليو-٢٠٢٦       2915

حوار - حسين السنونة  

يؤكد الكاتب والناقد المسرحي السوداني السر السيد محمد في حديثه لصحيفة "النهار" السعودية: ان المسرح السعودي يواكب التطورات العالمية من حيث البنية المؤسسية، والإمكانات، وآليات الإنتاج، مع سعي واضح إلى إنتاج خطاب مسرحي يستند إلى خصوصيته الثقافية، وفي الوقت نفسه ينفتح على الحوار المسرحي العربي والعالمي. ولعل أبرز ما يؤكد ذلك الحضور المتنامي للمسرح السعودي في المهرجانات العربية والدولية، وازدياد الاهتمام به في الدراسات النقدية والرسائل الجامعية، وهو ما يعكس حيوية هذا المشهد وقدرته على التطور والمنافسة


في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟

قد تكون القضايا كثيرة، خاصة إذا استصحبنا اختلاف طرائق التناول، لكنني سأختار قضية أرى أن النقد المسرحي العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، وهي قضية تحول الجمهور من مجرد طرف في العملية المسرحية، من أي موقع كان، إلى فاعل فيها. وقد تبدو هذه القضية، في ظاهرها، مرتبطة بالتكنولوجيا، لكنها في حقيقتها تمس جوهر المسرح نفسه.
لقد انشغل النقد المسرحي العربي، ولا يزال، بأسئلة النص المسرحي، من موضوعاته ومصادره وتقنياته، وبالمخرج، والسينوغرافيا، والأداء التمثيلي. وحين انشغل بسؤال الجمهور، نظر إليه بوصفه عنصرًا من عناصر العملية المسرحية، أو من زاوية حضوره وتسويق العرض، أكثر من النظر إليه باعتباره متغيرًا يعيد تشكيل المسرح ذاته. وبذلك ظل النقد ينظر إلى الجمهور من خلال وضعية المسرح، بدلاً من النظر إلى المسرح من خلال وضعية الجمهور، وهو جمهور يتغير باستمرار، ويتحدد به معنى المسرح في كل لحظة تاريخية.


ومع الثورة الرقمية، التي غيّرت طرائق التلقي وأنماط التفاعل، ظل النقد المسرحي العربي، في معظمه، بعيدًا عن طرح سؤالين جوهريين: كيف تغير الجمهور؟ وإذا كان الجمهور قد تغير، فكيف ينبغي أن يتغير المسرح؟


إن عدم الاهتمام الكافي بقضية تحول الجمهور أدى، وسيؤدي، إلى قصور في إنتاج معرفة دقيقة بظواهر مثل عزوف الجمهور عن المسرح، وظهور أشكال أدائية جديدة تمزج بين المسرح والوسائط الرقمية. واللافت أن هذه الأشكال لم تعد حكرًا على المسرحيين المحترفين، بل أصبح المواطن العادي أحد منتجيها، وهو تحول بالغ الأهمية، لأنه يعكس تغيرًا في علاقات السلطة والمعرفة، وفي علاقة الفرد بالجماعة، وفي أسئلة الهوية.
لذلك أرى أن إنجازات النقد المسرحي العربي، على أهميتها في دراسة النص والعرض وبقية عناصر العملية المسرحية، ستظل غير مكتملة ما لم يمنح قضية تحول الجمهور المكانة التي تستحقها. فما نحتاج إليه اليوم، في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والرقمية المتسارعة، هو مقاربة نقدية جديدة للتلقي، يكون سؤالها المركزي: من هو الجمهور الجديد الذي يتوجه إليه المسرح؟ وكيف يعيد هذا الجمهور تعريف المسرح نفسه؟


هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟


أستطيع القول إن الكتابة عن المسرح العربي تعيش اليوم حالة انتقالية يتجاور فيها التقليدي والحداثي، إن جاز التعبير.
فمع تنوع الممارسة المسرحية العربية وتناميها خلال العقود الأخيرة، أصبح المسرح فضاءً تتشابك فيه عناصر متعددة، مثل الصوت والجسد، والوسائط الرقمية، والسينوغرافيا، والأداء، والجمهور. كما أن موضوعات مثل الحرب، وجرائم الحرب، والهجرة، والعنف، والمقاومة، والفضاء الرقمي، أسهمت في إنتاج أشكال مسرحية جديدة، الأمر الذي يقتضي مراجعة أدوات الكتابة النقدية ومناهجها.
ومع ذلك، لا تزال بعض الكتابات النقدية تقارب هذه التجارب بأدوات لا تلائم طبيعتها، فتمنح الأولوية للنص الأدبي على حساب العرض المسرحي بوصفه حدثًا مركبًا، أو تُشهر المنهج النقدي أكثر مما توظفه في إنتاج معرفة حقيقية بالتجربة المسرحية الجديدة.
وفي المقابل، ثمة كتابات نقدية عربية رصينة تستفيد من حقول معرفية أخرى، مثل الأنثروبولوجيا، والتحليل الثقافي، ودراسات الأداء، وتنظر إلى المسرح بوصفه ممارسة اجتماعية وسياسية وثقافية، تتجلى في كثير من الممارسات اليومية داخل مجتمعاتنا، وليس مجرد عمل فني معزول.
لذلك أرى أن النقد الخلاق لا يبدأ من المنهج، بل من أسئلة التجربة المسرحية ذاتها، ثم يبحث عن الأداة الأكثر قدرة على قراءتها وتأويلها. كما أود التنبيه إلى أن المناهج التقليدية ليست عديمة الجدوى، بل قد تكون صالحة في سياقات محددة. غير أن ما يجعل النقد خلاقًا ومنتجًا للمعرفة هو ألا يرتهن إلى تحليل العمل في عزلة، بل أن يقرأه ضمن شبكة العلاقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تشكل فيها، متأثرًا بها ومؤثرًا فيها.


كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية، من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟

هذا سؤال يحتاج إلى حساسية خاصة في الإجابة، لأنه يلامس واحدة من القضايا التي شغلت الإنتاج الفكري والإبداعي العربي كله، وليس المسرح وحده، أعني قضية الأصالة والمعاصرة، وما يتوالد عنها من مفاهيم مثل الخصوصية والمحلية والعالمية.
بالنسبة لي، وخاصة في عالم اليوم الذي أزال كل الحدود، بكل ما تحمله كلمة "حدود" من دلالة، أستشعر قدرًا من التوجس من استخدام مصطلح "العالمية" دون التساؤل أولًا عن ماهيتها، وما الذي جعل هذا عالميًا وذاك محليًا. فالواقع يقول إن الظواهر الثقافية كلها، من حيث المبدأ، قابلة للعالمية، لأن صفة العالمية أو المحلية لا تلحق بالظاهرة لخاصية كامنة فيها، وإنما تلحق بها لأسباب خارجية ترتبط بعلاقات القوة والانتشار. فالذي جعل، على سبيل المثال، مسرح شكسبير مسرحًا عالميًا ليس جودته الفنية وحدها، وإنما أيضًا قوة الدولة، واتساع نفوذ الثقافة، وانتشار اللغة التي كتب بها مسرحياته.
ومن جانب آخر، لا أضع العالمية في مقابل الخصوصية، لأن العالمية، في كثير من الأحيان، نتاج آليات تسويق وهيمنة، كما أنها، بالنظر إلى تدافع الحياة الإنسانية، ليست كيانًا نقيًا، وإنما هي أمشاج من التأثيرات والتأثرات. وهنا أقول إن المسرح، وإن كان قد بدأ عند الإغريق، فإنه، عبر التاريخ، ظل يرفد نفسه بألوان الثقافات من الشرق والغرب، ومن الشمال والجنوب، حتى أصبح من الصعب أن تتحدث عن مسرح عربي دون أن تجد فيه أثرًا أوروبيًا أو أفريقيًا، أو أن تتحدث عن مسرح أوروبي دون أن تعثر فيه على أثر آسيوي أو عربي.
ومن هنا يمكن النظر إلى الخصوصية، لا بوصفها شيئًا منبتًّا عما يحيط به، وإنما بوصفها ذلك المزاج المختلف الذي يستشعره غير العربي وهو يشاهد عرضًا عربيًا. وهذا المزاج، بطبيعة الحال، لا يتحقق جزافًا؛ فالخصوصية ليست عزلة، كما أنها ليست مجرد مجموعة من الرموز الفلكلورية أو الأزياء التراثية.
مجمل القول: تتحقق الخصوصية بإنتاج مسرح قادر على مساءلة واقعه، ومنفتح على التجارب المسرحية في العالم، ومراهن على الجودة والابتكار. فكل تجربة مسرحية جيدة الصنع مرشحة لأن تكون عالمية، متى ما كان العالم أكثر عدلًا وانفتاحًا وديمقراطية.


إذا طلب منكم إعادة كتابة كتابكم اليوم بعد سنوات من صدوره، فما الفكرة أو الفصل الذي ستعيدون النظر فيه في ضوء التحولات الفكرية والمسرحية الراهنة؟

أعتقد أننى سأعيد النظر في الفصل الأول من الكتاب، وهو الفصل المعنون «العرض المسرحي كفضاء للحوار». وذلك لان التحولات التي شهدها العالم، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، جعلت مفهوم الحوار أكثر إلحاحًا واتساعًا. لقد أصبح العالم اليوم يعيش ما يمكن أن أسميه، مستعيرًا تعبير المسرحي الكبير سعد الله ونوس، «الجوع إلى الحوار». فالحروب والصراعات تكاد تشمل كل مكان، ومن بينها حربنا في السودان التي تدخل عامها الرابع.
كنت قد انطلقت في ذلك الفصل من فكرة أن العرض المسرحي فضاء للحوار، بحكم تعدد لغاته وتآزر عناصره، وتشاركية فعل الأداء، وقدرته على تفعيل المكان وتحويله إلى فضاء للتواصل. ولو أعدت كتابة الفصل اليوم، لجعلت الحرب خلفيته الأساسية ومرآته النقدية، باحثًا في ما يستطيع المسرح أن يفعله في مواجهة الخراب.
سأركز على علاقة العرض المسرحي بالذاكرة، وعلى الكيفية التي تعيد بها الحروب تشكيل المكان أو تدميره، وكيف يمكن للمسرح أن يسهم في إعادة بنائه، وسأبحث أيضًا في الكيفية التي يبني بها المسرح الشارع زمن الحرب، وكيف يمنح معسكرات اللجوء إمكانًا جديدًا للحياة والمعنى والانتماء.
عندما كتبت ذلك الفصل لم تكن الحرب الراهنة في السودان قد اندلعت، وكان همّي الأساسي هو غياب الحوار. أما اليوم، وبعد الحرب، فلم نعد نفتقد الحوار وحده، بل أصبحنا نفتقد اللغة نفسها، والمكان، والذاكرة. ومن هنا ستكون هذه القضايا هي المادة الجوهرية للفصل الجديد.


حدثنا عن فكرة كتابك  "المسرح وتجلياته في المشهد السياسى السودانى المعاصر" وكيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح ؟


دعني أبدأ بالحديث عن الهيئة العربية للمسرح، وعن دعمها الكبير للمسرح العربي والمسرحيين العرب. وهذا هو كتابي الأول الذي يصدر بالتعاون معها، وقد وجدت منها كل عون وتقدير ودعم، وهو ما يعكس إيمانها بأهمية البحث والتأليف إلى جانب الإنتاج المسرحي.
وقد تشرفت بأن يكتب تقديم الكتاب المسرحي الكبير والمثقف السوداني د. يوسف عيدابي، أحد أبرز رموز الثقافة في السودان والإمارات.
أما فكرة الكتاب، فتنطلق من محاولة رصد الكيفية التي تجلت بها السياسة في المسرح، وتجلى بها المسرح في السياسة، داخل فضاء السودان المعاصر. ومن هنا ضم الكتاب دراسات تناولت قضايا مثل العرض المسرحي بوصفه فضاءً للحوار، والتمسرح، وعلاقة الدولة بالمسرح، والمسرح والهجرة، وغيرها من الموضوعات التي حضرت بقوة في المشهد السياسي السوداني، والتي قاربتها وناقشتها تجارب وعروض مسرحية عديدة.

ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي، بحيث لا يقتصر الدعم على إنتاج العروض، بل يمتد إلى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟
إذا كان الهدف هو بناء نهضة مسرحية عربية مستدامة، فإن دعم إنتاج العروض، على أهميته، لا يكفي. فالمسرح لا ينهض بالعرض وحده، وإنما يقوم أيضًا على إنتاج المعرفة، والبحث، والتوثيق، والنقد، والترجمة.
وبالنسبة لي، أرى أن واضحًا بدعم ونشر النصوص المسرحية، والترجمة، الهيئة العربية للمسرح تسير بالفعل في الاتجاه الذي يتضمنه السؤال؛ فهي لا تعنى بإنتاج العروض فحسب، بل تولي اهتمامًا وتشجيع الدراسات النقدية والبحوث النظرية، إلى جانب تنظيم المهرجانات والملتقيات. كما يلفت النظر اهتمامها بالتنوع، من خلال دعم مسرح الطفل، وتشجيع التجارب النسوية والشبابية. ولعل ما يميز الهيئة أنها استطاعت، خلال فترة وجيزة، وبفضل طابعها القومي، أن تتحول إلى حاضنة للمسرح العربي والمسرحيين العرب.
ومع ذلك، ثمة ملاحظات أراها جديرة بالنقاش. أولها اعتماد الهيئة بدرجة كبيرة على التمويل الرسمي، وهو أمر يستدعي التفكير في مصادر دعم أكثر تنوعًا واستدامة. وثانيها أنها أصبحت تتحمل، إلى حد بعيد، عبء الحراك المسرحي العربي، بعد تراجع دور كثير من المؤسسات الثقافية الرسمية في بلداننا. أما الملاحظة الثالثة، فهي أن المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق مشروع مسرحي عربي ذي طابع استراتيجي، يأتي في مقدمته مشروع متكامل لأرشفة النص المسرحي العربي، حفظًا للذاكرة المسرحية وصونًا لتراثها.
وأخيرًا، إذا كنا جادين في بناء نهضة مسرحية عربية، فقد آن الأوان لأن يسهم المسرحيون العرب أنفسهم في دعم مسرحهم، عبر إنشاء صندوق عربي لدعم المسرح، يقوم أساسًا على اشتراكات المسرحيين، وتبرعات الأفراد والمؤسسات. فمهما كان دور الهيئة العربية للمسرح كبيرًا ومؤثرًا، فإن مؤسسة واحدة لا تستطيع وحدها أن تحمل أعباء المشروع المسرحي العربي بأكمله.


ما مدى تطور المسرح و المشهد الثقافي السعودي و مواكبتة للتطورات العالمية ؟

من وجهة نظري، يمرّ المسرح والمشهد الثقافي السعودي اليوم بمرحلة تحول تاريخية، تقف وراءها رؤى وقرارات سياسية حكيمة وغير مسبوقة. فمنذ إطلاق هيئة المسرح والفنون الأدائية، وما رافق ذلك من مشروعات ضمن رؤية السعودية 2030، شهدت المملكة توسعًا كبيرًا في البنية التحتية الثقافية، وتزايدًا في المهرجانات، وبرامج التدريب، والإنتاج المسرحي، إلى جانب انفتاح واسع على التجارب العالمية.
وبعد جيل الرواد والمؤسسين، برزت أسماء مؤثرة أسهمت في ترسيخ حضور المسرح السعودي عربيًا، يأتي في مقدمتها الكاتب المسرحي فهد ردة الحارثي، إلى جانب عدد من الكتّاب والمخرجين الذين قدموا تجارب لافتة، وأسهموا في بناء خطاب مسرحي سعودي معاصر.
واليوم، يواكب المسرح السعودي التطورات العالمية من حيث البنية المؤسسية، والإمكانات، وآليات الإنتاج، مع سعي واضح إلى إنتاج خطاب مسرحي يستند إلى خصوصيته الثقافية، وفي الوقت نفسه ينفتح على الحوار المسرحي العربي والعالمي. ولعل أبرز ما يؤكد ذلك الحضور المتنامي للمسرح السعودي في المهرجانات العربية والدولية، وازدياد الاهتمام به في الدراسات النقدية والرسائل الجامعية، وهو ما يعكس حيوية هذا المشهد وقدرته على التطور والمنافسة.