الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       2805

بقلم ـ نورة محمد بابعير

تتحرك تجربة الروائي والصحفي جابر محمد مدخلي في مساحة سردية تنشغل بالإنسان بوصفه محور الحكاية، حيث تتقاطع في نصوصه مع التفاصيل اليومية للإنسان لتمس الذاكرة والمعنى. وبين الرواية والصحافة، تتشكل ملامح مشروعه الأدبي بوصفه محاولة مستمرة لالتقاط اللحظة وتحويلها إلى نصوص قابلة للتأويل.. في هذا الحوار، نقترب من هذه التجربة ونقرأ بعضًا من ملامحها وتحولاتها

 


الكتابة واللغة في وعي الكاتب 

* تظلّ الكتابة مسارًا عميقًا يفتح للقارئ أبوابًا واسعة من الفكر والثقافة والمعرفة، لكن ماذا عن الكاتب؟ وما الدور الذي تؤديه الكتابة في حياة جابر مدخلي كروائي وصحفي؟
* الكاتب هو الكتابة ذاتها. وجابر هو أحد أولئك الذين يحاولون الكتابة؛ لهذا يأوي إلى البحث عن وجهه في ملامح شخصياته، وأبطاله. الكاتب -وهنا- أعني صاحب المشروع الإبداعي فالكتابة بالنسبة له همه ومسؤوليته ومهنته. الكاتب هو ذلك المُرهق حين يظنه الآخرون يصفّ حروفًا ويقيس سطورًا، ويكوّن نصًا ألقاه بين دفتي كتاب ومضى إلا أن أصل نصه في الحقيقة انتزاع من عمره، وحزنه، وعقله. هو لم يصفّ أحداثًا بقدر ما خلق حياة كاملة، وشهادة ميلاد لأناس يتحولون بمجرد نشرهم إلى سُكّان أصليين واقعهم أيادي القراء، وعالمهم الرفوف، والمكتبات، وسهراتهم الأمسيات والندوات النقدية والأدبية. الكتابة هي ذلك الصوت المجتمعي المترابط بأفكاره ورسائله، وفلسفته، ولغته، وصراعاتها الداخلية؛ لهذا هي الحقيقة حتى لو كانت خيالاً. الكتابة السردية كانت أم الصحفية هي تلك الأداة التي صنعت لجابر وللكثير مهمتهم العظيمة والخالدة. أعترف أنني لا أملك مهنة غير الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أزعم أني أجيده وأسعى باستمرار للتأكد من مدى إجادته بشكل كلي تصاعدي لأنها المهنة الوحيدة التي لا سلّم وظيفي لها، ولا نهاية تفضي إلى التقاعد منها إلا بالموت؛ لهذا لو توقفت الكتابة غدًا بالعالم لغدوت عاطلًا عن مزاولة هذه المهنة الخالدة؛ وليس في عمري متسع لأتعلم مهنة غيرها. 

-بين الإلهام والإتقان، تتشكل أدوات الكتابة الإبداعية، فعلى ماذا تعتمد كروائي في صياغة نصوصك الإبداعية؟
* على الإلهام أولًا ثم على محاولة الإتقان تاليًا؛ لأنه الدور الأصعب في مرحلة الكتابة الروائية تحديدًا. الإلهام هو ذلك المخلوق الهُلامي الخفي الذي يحملك لعوالم لم تكن بالغها إلا بشق الكتابة. كما أعتمد على المكان الذي يستدعيني إليه باستمرار، هذا الطاعن في السن الذي أشعر بأن حياتي بغيره لا قيمة لها، إنه أغنيتي أينما حللت، وذاكرتي حيثما رحلت، واشتياقي حتى أعود إليه أو أرحل عنه للأبد. ولا أنسى اللغة فهي العين السحرية التي أشاهد من خلالها كل ما يدور خلف أبواب عقلي، وأسد بها ثغرات الواقع بالخيال، والخيال بالواقع. 

-هل تؤمن بأن الكاتب يكتب من وعن تجاربه الشخصية، أم أن الخيال قادر على مدّه بعوالم مكتملة دون تجربة مباشرة، أو سابقة؟
* الكتابة هي تعر إبداعي غير فاحش، متأدبة مع الذات الإلهية وإن لم تكن كذلك فسيكون عدوها النسيان والتلاشي الذي يترصد لها. فإن لم تكتبها حين تستدعيك كما استدعتك فلن تكتبها مرة أخرى؛ لهذا أحاول أن أكتب كل شيء في المرة الأولى ثم أسحب نفسي أحيانًا من بين كل ما كتبته وأتسلل للبعيد مُخلفًا ورائي أسماء كثيرة، مستبدلا شخصيات وأماكن كي لا أكون أنا أحدهم في المسودة الأخيرة، حتى لو كنت أنا فعلًا. ثم إنه لا توجد سردية كاملة بعيدة كل البعد عن تجاربنا. ولا توجد سردية تحتفظ بجميع أجزاء تجاربنا غير سيرنا الذاتية وهذا الجزء أراه مبكرًا على إيداعه في كتاب؛ لأنه سيحرمني لذة الكتابة، وسيجعلني كإصدارٍ أخير ينتظر القراء موت صاحبه، أو يفتش النقاد عن مطابقة كل ما كتبته سابقًا على وثيقتي الأخيرة هذه. أي كاتب يكتب بحُب وانتماء وإخلاص لمشروعه وما يكتبه فعليه أن يبعث ويستحث كل ما يحتاجه من حياته وذاكرته وطفولته وخيالاته حال شروعه في أي مشروع روائي أو إبداعي يكتبه؛ لأنه إن لم يفعل ذلك فسيظل يكتب كثيرا ويمحو أكثر. عليه أن يتلبس الشخصيات ويعيشها كما لو أنهم حقيقة ثم حين يجد الفرصة للانسلال والخروج منهم فليفعل ذلك ولا ضير في أن يبقي منه ومن حياته أجزاءً قبل انسلاله. ما بعد ذلك كله فليس دوره بمفرده، أدوار التشذيب والتهذيب بعد الولادة أمره أيسر ما دامت الكتابة الولادة الإبداعية الأصعب اكتملت وتمّت.


حديث في التجربة والرواية

-أصدرت حتى الآن ثلاث روايات: مجاعة، إثبات عذرية، حوش عباس، وكتاب "الاستثناء مجددًا" سيرة ومسيرة الدكتور إبراهيم التركي، وسؤالي هنا: كيف كانت رحلتك مع هذه الأعمال؟ وأيهم تجده الأكثر تأثيرًا عليك، وقربًا منك؟
* هنا أجدني أمام مشروعين وفنين أحدهما لشمروعي الروائي، والآخر لمشروعي الصحفي وبينهما أقف باحثًا عن إيمان تام ومكتمل حول أيهما أخذ مني ومن عمري وفكري، ولا شك أن الرواية أخذت الكثير مني لأنها الثوب الذي شعرت لوهلة أنني جئت على مقاسه منذ الرواية الأولى "مجاعة" وبعدها سعيت راكضًا بلهفة إلى أن أجرّب مرة تلو مرة، ورواية بعد أخرى لأجعل هذا الثوب على مقاسي ما استطعت إلى ذلك سبيلا. إلى أن جاءت روايتي الأخيرة الصادرة عن دار تشكيل، رواية "حوش عباس" حيث وجدتني معها أكثر اقترابا من قياس هذا الثوب. وسأظل أبذل المزيد من السنوات لأقيس هذا الثوب عند نهاية كل عمل روائي أنشره لأن كتابة الرواية أحد الفنون التي تتجدد نظرياتها، وثيابها. الرواية تحتمل كل الابتكارات فبينما بدأت بالتجريب في أول رواية عربية، وسعودية ها هي اليوم تطبق وتبنى عليها عشرات النظريات السردية والنقدية ما يثبت أنها بحق فن متطور بتقادم العمر على غير بعض الفنون الجامدة التي استكملت جميع نظرياتها وفحوصاتها. ناهيك عن الوقوف أمام كتابي "الاستثناء مُجددًا" فهو لم يكن كتابًا عابرًا أو عاديًا وسهلًا بل هو وثيقة سعودية ثقافية إعلامية وصحفية -كما قيل عنه- تمثلت في استنطاق سيرة ومسيرة لشخصية خدمت المشهد الثقافي السعودي والعربي لأكثر من أربعة عقود هو الدكتور " إبراهيم بن عبد الرحمن التركي العمرو" الذي صحبته في إحدى مراحلي الصحفية، وكنت أحظى معه بمتعة الرفيق لا الزميل ولا الموظف أو المحرر الثقافي. كان يضعني كل يوم في رتبةٍ إنسانيةٍ ونفسيةٍ وإبداعيةٍ جديدة، في مجالٍ ليس بأيسر من مجال الكتابة السردية. الصحافة مهنة لمن وجدها مهنة، وهي سحر إبداعي لمن أرادها كذلك. فإن كانت الرواية عالم المبدع والقراء ليلًا وصباحًا، فالصحافة عالم الناس في كل الأوقات؛ لهذا وجدت العام مع شخصية "التركي" عن عشرة أعوام لتتوالى بيننا عشرات السنوات في أعوام قصيرة إلى أن وجدتني أمام قراره الأخير للتوقف عن ممارسته للصحافة. في البدء لم أع -كغيري- أي نوعٍ من التوقفات تلك التي يستطيع اختيارها شخصية كإبراهيم التركي، ولأنني صحبته لأعوام فهمت ما لم يقله لي، أو يفهمه غيري. كنت أتحدث معه لساعات طويلة؛ لأجدني أمام مشروعٍ إعلامي توثيقي شرحت فيه للعالم كله أن "التركي" ليس ذلك المفكر بعشرات الكتب، ولا الإعلامي بعقوده، ولا المدرسة التي أخرجت ودعمت واكتشفت عشرات الإعلاميين والصحفيين وتحديدا الثقافيين منهم. هو كما عاصرته قبل أن ألتقيه رجل بحجم وثيقة معاصرة، وشاهد على العصر، ولم أجد ما أثبت به هذا القول، واليقين غير كتابي "الاستثناء مُجددًا- سيرة ومسيرة الدكتور إبراهيم التركي" والذي أجده قريبًا إليّ قرب "حوش عباس" مني.

-لك عدة مشاركات ومناقشات حول الرواية، ومن ذلك حديثك على القناة الثقافية في برنامج "اثنينية الرياض" حين وجه لك سؤال: "هل الرواية مهمة أم ترف ذهني؟" لتؤكد في حديثك أنها ليست ترفًا. حدثنا عن وجهة نظرك في أهمية الرواية، وما الذي يجعلها ضرورة ثقافية ومعرفية؟
* الرواية هي الفن السردي القادر على كشف الحياة وإعادة تنظيمها بذات التوقيت، وكشف المشاعر وإعادة ترميمها بالوقت نفسه. هي الكتابة الطويلة التي لولا وجود الشخصيات داخلها لما استطعت إكمالها كونهم الوحيدين الذين يساندون الكاتب في عزلته هذه، وفي أوراقه الكثيفة التي لا يعلم متى ستتوقف أو تنتهي حتى لو رسم لروايته خارطة ذهنية مسبقة فهي لا تستجيب لها، ولا تترفق بكاتبها حتى لو كانت كتابته عن الرأفة. الرواية هي الفن السردي الذي إن احترمته كمشروع وعاملته بإخلاص وجدية فلسوف يمنحك ما تعجز عنه كل الفنون؛ لأنها بئر لا ينضب، ولأنها التعبير الحقيقي عن أي مجتمع دون ذكره بأسمائه الحقيقية، أو أماكنه الواقعية، أو أحداثه وصراعاته الأليمة، وتحولاته المأمولة. هي الأداة التعبيرية الوحيدة التي تضعك أمام التساؤلات وبذات التوقيت تمنعك عن الإجابة حتى لو كنت تعرفها مسبقًا؛ لأنها لا تسألك أنت بل تسأل غيرك، ولأن دورك فيها كروائي مجرد وسيط لإيصال تساؤلاتها، وقضاياها، وهموم شخصياتها. لهذا ولغيره ستظل الرواية منتج إبداعي يوثق العالم لا لفضحه أو كشفه بل لعلاج قضاياه. 

الرواية السعودية والمشهد الروائي

-شهدت الرواية السعودية في السنوات الأخيرة ازدهارًا ملحوظًا، فهل يعود ذلك إلى نضج التجربة الإبداعية أم إلى اتساع فضاءات النشر والدعم الثقافي؟

* أرى أن المبادرات التي قدمتها وتقدمها وزارة الثقافة ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة هي وراء هذا النضج النوعي الجزئي -وليتني أستطيع قول الكُلي- إلا إن الوقت برأيي مازال مبكرًا أمامنا لإطلاق شهادة بهذا الحجم؛ حيث أن الرواية السعودية مقارنة بغيرها من الروايات العربية أو العالمية ما تزال شابة -وعلى الرغم من ذلك- إلا أنها استطاعت تجاوز مشاريع سابقة لها، وأقدم منها بكثير على الرغم من هذا النضج النوعي، وهي الآن في طريقها للصعود المأمول منها، واللائق بها نتيجة الدعم السخي الذي تتلقاه.. ومنه على سبيل المثال مبادرة معتزلات الكتابة الفريدة من نوعها والتي تشتمل في أدق تفاصيلها وتوجهها إلى إعانة كتاب الرواية والفنون السردية والإبداعية الأخرى، ودعمهم بغية إنهاء مشاريعهم من خلال التبني والرعاية والنشر. ولا يفوتني ذكر واحدة من أبرز مبادرات الوزارة هي "الشريك الأدبي" الذي بعث الأدب السعودي من مرقده، وحمل الكُتّاب والأدباء وإبداعهم إلى جميع منافذ القراء من خلال الفعاليات والندوات والأمسيات التي تناقش أعمالهم، أو تناقشهم هم. محققة بذلك هدفها المنشود هو تقديم الأدب إلى المجتمع حيث ذهب. ولا أنسى إحدى المبادرات العظيمة هي برنامج مديد، ومبادرة قوافل الشعر، وبرنامج النشر الرقمي. إضافة إلى الوكيل الأدبي وهذه المبادرة تحديدا آمل أن تتوسع، ويعاد دراستها وتقييمها باستمرار، وأنا على يقين أنها ستتطور مع تقادم الوقت وتبدع في إنضاج المشاريع السردية المستقبلية التي تحولت اليوم إلى منتج وطني يجب ألا يقل أهمية عن أحد مصادر الدخل القومي.

-إذا أردنا الحديث عن مستقبل الرواية السعودية، فما الملامح التي تتوقع حضورها؟ وهل يلعب النقد الروائي دورًا في صقل الكتابة الروائية وتطويرها؟
* الرواية مرهونة بكتّابها وحجم ما يلاقونه من دعم وعناية وتبني لأنها مشروع هذا العصر، ولأنها المغذي الإبداعي الذي يحقن مجتمعات اليوم عبر الوسيط الوحيد الذي تصل إليهم الرواية من خلاله وهي الشاشة، يؤكد ذلك ما رأيناه في روايات سعودية أوصلت المجتمع السعودي إلى العالم بل وتأثر بمشاهده ومنهم من أعاد تمثيلها وفق بيئته ولهجته. أما مستقبل الرواية السعودية وجميع الفنون فأراه اليوم في مأمن وحماية وزارة الثقافة بما بذلته وتبذله باستمرار من مبادرات أطلقتها ومشاريع هي لاشك في طريقها لإطلاقها والسؤال هنا هل علينا الاكتفاء بذلك أم مضاعفة الجهود لتقديم المزيد من المبادرات النوعية أو الخاصة بالروائيين كونهم رهان المستقبل ومصدر لتوثيق جميع الفنون في كتاب واحد وقد أقول هذا لأني أقرب للرواية من غيرها ومنحاز لها وليس لغيرها وأفهمها أكثر من فهمي لغيرها من الفنون؛ ولأنني أراها كممارس روائي أكثر من كوني روائي حيث أني أستشرف لها مستقبل سيأتي وإن تأخر، المهم ألا نستعجله ونستمر في خلق المزيد من المبادرات والدعم. أرى أن رصيدنا السابق من الروايات السعودية كان أصيلًا وشجاعًا رغم الظروف التي نُشر فيها، كان إبداعًا مطابقًا لأي إبداع عربي آخر. لربما نجحت الأجيال الروائية السابقة لحجم ما تلقته من دراسات وتحليلات ومقاربات نقدية ولما لعبه النقاد من أدوار بارزة في استطلاع الرأي ومنافذ النشر حينها، وما قدموه من رؤى نقدية سواءً ما خلق منها المناكفات، أو الآخر الذي قدم رؤية هادفة لمنح الكتّاب وصفة سحرية للعودة مرة أخرى من أجل تقديم أعمال أخرى ظهرت أكثر جدية.. حدث ذلك مع روائيين وروائيات كثر ما زالوا يكتبون حتى اليوم ولو أن الرعيل السردي الأول حصل على كل هذا الدعم والمبادرات لكنّا اليوم أمام أعمال روائية سعودية بمواصفات عالمية. وأما عن حالة النقد في العقد الأخير من زمن الرواية السعودية فلا يمكنني القول بأن النقاد لم يسهموا في فحص السرد السعودي لأن الكثير منهم بذل ما أمكنه بذله في عقدٍ تداخلت فيه السوشيال ميديا وأخذت الأصوات والأوقات وتفرق شمل النقد الذي يحتاج بدوره اليوم من وزارة الثقافة إلى مبادرات تخصه؛ لأن الرواية السعودية القادمة عليها أن تستمر في ممارساتها كمنهج متسلسل زمنيًا، وفنيًا وإبداعيًا مرتبطًا بالأجيال السابقة، ولا يجب أن تنفصل عن أجيال السرد السابقة؛ لهذا لا أستبعد أن وزارة الثقافة لديها الكثير بهذا الجزء الذي ستقدمه مستقبلًا.


الرواية والقارئ

-كان لك حديث عن الرواية في أحد مقالاتك الصحفية، قلت فيه: "إن الاقتراب من الذات لا بد أن يقترب أولًا من الضمير الروائي بأشكاله الثلاثة: التجريدي، والغائب، والحاضر المتكلم، والحاضر المخاطب، وإن قراءة الضمير هنا في الخطاب الروائي بتعدده وتنوعه سوف تحيلنا، بشكل أو بآخر، إلى تجليات هذه الذات الساردة في الخطاب الروائي." حدثنا عن هذه الرؤية، وكيف تقرأ حضور الذات في الرواية؟

* يحدث للقارئ أحيانًا أثناء عزلته لقراءة أي رواية ما أسميه بالتغذية السردية الراجعة الناتجة عن حدث مفاجئ، أو شخصية مأزومة، أو قضية مألومة، وهذا الشعور يحيل التعاطف مع الشخصيات الروائية في لحظة صغيرة إلى الكاتب باعتباره المرجع الواقعي الوحيد الذي بمقدوره إثبات واقعية أو نفي ما كتب. هذا الشعور هو وفاء عظيم وجميل من القارئ، بل وهو أعظم تتويج يحوزه أي كاتب جاد وصل إليه بإبداعه. وهنا يبقى القارئ أمام خيارات نسب متعددة بين أشكال الضمير وتنوع الراوي التي يستخدمها الروائي لتشكيل عمله وهنا يصبح الكاتب أمام تحديات إضافية كأن يكون هو الشخصية، أو يعرف الشخصية عن قرب، أو هي شخصية متخيلة ويكتفي بذلك. وحتى مع الإجابة على القارئ وغيره هو بهذا يحرم القراء الذين لم يقرأوا نصّه متعتهم، ويسقط بهذا جزء مهم من جماليات الشخصية والضمير الذي انتدبه لروايته. لهذا أنا مع إبقاء الذات الساردة في غيبية الكاتب وحده حتى لا يتدخل في إزهاق المتعة تاركًا بذلك للقارئ عمره الجميل مع نصوصه، وتخيلاته، وشخصياته.

-برأيك هل لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم قدرة في مساعدة الكاتب على فهم القارئ، والتعرف على اهتماماته وما يبحث عنه في الرواية؟ أم أنها قد تفرض توجهات استهلاكية تحدّ من عمقها الفني.
* منذ أن انطلقت الانترنت في العالم بوجه عام وفي السعودية بوجه خاص وهي تبذل الكثير للكتاب وللقراء ولولاها لما استمر ظهور روائيين جدد وجيل من القراء الجدد ولا اكتفت الرواية السعودية بعدد ضئيل يرث هذا الفن العظيم، وينقل خبراته من جيل قارئ لآخر، ومن طبعة إلى أخرى. قنوات التواصل منذ ظهور المنتديات الأدبية وحتى آخر منصة ظهرت هي التي منحت المجتمع السعودي فرصة ذهبية للكتابة التعبيرية وتحديدًا المرأة المبدعة التي وجدت فيها مصدر إلهام ومنطقة آمنة تبحر فيها تجاه الإبداع دون حد فاصل غير الشاشة التي تجلس خلفها. أتذكر الآن أسماء كثيرة وكبيرة كتبت في منتديات عديدة توقعت شخصيًا وأنا أقرأ لها -في زمني ذاك- أن تظهر لاحقًا بأسمائها الحقيقية لكن مع تقادم السنوات وتوزع المبدعين والمبدعات على منافذ عديدة ومختلفة من وسائل التواصل تقلصت فرص اكتشاف المبدعين وتضاعفهم. اليوم فقط أستطيع القول إن الرواية غير كل الفنون الأخرى، ومن تم تشخيصه من قبل النقاد والقراء على أنه روائي فقد حاز على جوهرته المكنونة. ومن حاز على فرصة اكتشاف هذه الموهبة وتخلى عنها فقد ظلم حرفه، ونفسه وقراء كثر منها. وبما أن المنافذ صارت أكثر بات لزامًا علينا استخدام مناهج جديدة لتتبع الإبداع بجميع أنواعه وتعدد أفكاره ورؤاه، وعلى القائمين خلق نوافذ تخص المبدعين الجادين والموهوبين بجميع الفنون لتسهم في تقليص أو تنظيم توجهاتهم الاستهلاكية وضخها ضمن مصفوفة ثقافية سعودية جديرة بالعناية والاهتمام.


-بماذا تنصح كتاب السرد وتحديدًا الرواية؟ ومتى تنجح الرواية؟
* في البدء لتنجح الرواية يجب أن تكون مكتملة الأركان، ثم ليُنجح أي كاتب نصّه الروائي عليه أن يقرأ هذا العلم ويفحصه جيدًا ويتابعه باستمرار؛ لأن الرواية لا تقبل الجفاف المعرفي ولا يباس روح كاتبها؛ هي تطلب المزيد من اللغة في توقيت مفاجئ وحين لا تمنحها ذلك تغضب منك وتتركك عالقًا في ذهنيتك المعطّلة، ثم أنها تجترح لك الخيال مع كل فكرة وكل لحظة تكتبها وإن وجدتك لا تأخذه منها بحقه وتوظفه جيدًا كما يغريها تغيب عنك وتتوه منك لتظل تفتش عنها باستمرار وقد لا تجدها. إضافة إلى ذلك وغيره الرواية لا تحتاج منك أن تكرر نفسك؛ لأنها واسعة، ومع هذا هي لا تحرمك من ذلك التكرار عدا أنه أحد فخاخها الكبيرة التي تؤذيك به دون أن تشعرك أو تشعر أنت لحظة كتابتها أنك وقعت في فخ إعادة تدوير فكرتك، ونفسك.
أخيرًا ما سبق ليس وصية ولا خيارات متعددة للإجابة على السؤال، بل هو تنبيه لي قبل الكتّاب أنفسهم؛ لأنني أحتاج اليوم وكل يوم من ينصحني لا أن أنصح، حيث أنني ما زلت أكتب وأحاول في كل مرة إلى لفت انتباه ناصحٍ يوجهني، وقارئ يشعر بي أو يُشعرني، أو ناقد يُخضعني لمختبره، أو صديق يوقفني عن هذه المغامرات الروائية الجميلة التي أشفى بها عند كل انتهاء وأنشط بعدها لركض سردي جديد أمارس فيه ما آمل أن يكون رواية.

* ما المشروع الروائي الجديد الذي تعمل عليه حاليًا؟
* رواية جديدة آمل أن تكون رواية.