الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٦ يوليو-٢٠٢٦       6820

حوار - حسين السنونة  -النهار

يؤكد القاص والروائي وليد قادري في حديثه مع صحيفة "النهار" السعودية:  أن القصة تحتاج لجمهور أوسع من خلال أندية القراءة وورش الكتابة والمسابقات المستمرة وتحويلها لإنتاجات مرئية وسمعية ومسرحية أكثر من احتياجها للمهرجانات لو كانت ستقتصر فقط على الدراسات النقدية وإلقاء الكاتب لقصصه على المنبر. في رأيي أن القصة تُقرأ ولا تُلقى مهما كان تمكن القاص من الإلقاء. ولا يمنع من وجود ملتقيات تحتفي بالقصة وكُتّابها ويستفاد من تجاربهم وإصداراتهم.

  ماذا تقول عن تجربتك القصصية بعد السنوات من خلال النشر والاحتفاء بالإصدارات  المتعددة ؟


أشعر أنني ما زلت في بداية الطريق. صحيح أن نشر خمسة كتب منها مجموعتين قصصيتين عن دار تشكيل (ذات حكاية 2018 – الأبواب التي رأت 2019) منحني الثقة إلى حد ما، والاحتفاء بها وبتجربتي السردية من خلال مشاركتي في سلسلة قصص من السعودية الصادرة عن هيئة الأدب والترجمة والنشر وفي معارض الكتب المحلية والخليجية وأمسيات الشريك الأدبي منحني مسؤولية أكبر. 
لكن الأمر تغير بالنسبة لي ولم يعد فقط مرحلة إنجاز ونشر، كل كتاب لي كان فرصة للتعلم أكثر من كونه إنجازًا. وعندما أعود للبدايات قبل 12 عامًا وأقارنها بما أنا عليه الآن أعود ممتنًا لكل تلك المسافة التي تعلمتها وإن لم يكن الطريق سهلًا. 
فتحولت إلى صاحب مشروع أكبر من كوني كاتب قصة فقط يجمع القصص في مجموعات تخلد أثره، وإصداراتي القادمة وأولها مجموعتي القصصية (قصص تمردت على قبعة الكاتب) ويليها عمل سردي عن أساطير منطقة جازان، سيتضح المشروع بكامل معالمه للمهتمين والأحباب. 
وهذا جعلني أدرك أن الكاتب الحقيقي لا بد ألا يتوقف عن اكتشاف نفسه ودوره ورسالته في الكتابة والأدب وفي الحياة عمومًا. فالكتابة رحلة مع الذات قبل القارئ، وما زلت أتعلم مع كل قصة ونص جديد. 

كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟ 

حضور القصة لدينا ليس ضعيفًا بالمعنى المباشر، بل أن العديد من كتاب القصة لديهم حضور بارز في العديد من الأمسيات الثقافية والمناسبات الأدبية وهذا يسري أيضًا على الشعر لو أردنا المقارنة.

لكن طبيعة القارئ في عصرنا هذا بدأت تميل للأعمال الطويلة التي تتوازى مع ثورة المنصات الرقمية بأعمالها المرئية المتعددة ما بين أفلام ومسلسلات. 
للأسف لم تتمكن القصة من اختراق هذا المجال كما السابق، أذكر العديد من القصص القصيرة لتشيخوف ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم تم تحويلها لأفلام وحلقات مرئية.

هذا قد يدعو المشاهد لمتابعة مجموعة قصصية كاملة لكاتب ما فقط لأنه شاهد قصة منها مجسدة على الشاشة.

ومع أن القصة تحتاج لقارئ يمنحها الانتباه الكامل إلا أنها تحتاج لتغيير طرق حضورها فهي قادرة على التجسد  كلما وجد الكاتب صوته الحقيقي.
 

  
ماذا تقول عن تطور المشهد الثقافي في المملكة في كل المجالات الأدبية؟    

برامج جودة الحياة في رؤية المملكة وفرت مساحة هائلة للثقافة ضمن برامج متعددة تحت هيئاتها. وإن كان ذلك على حساب المشهد الكلاسيكي السابق للأندية الأدبية لكنه منح حراكا عظيما في الساحة الثقافية من خلال برامج هيئة الأدب والنشر والترجمة وهيئة المكتبات وبيوت الثقافة وكذلك الجمعيات الأدبية المختصة وأندية هاوي.

يتبقى فقط أن يصبح هذا الحراك تراكما معرفيا طويل الأمد وأن يستثمر في القارئ والكاتب على حد سواء ويوفر منصات أكبر ومساحات أوسع لتواجد الكتب في المكتبات والجامعات والمدارس والأماكن العامة توازيًا مع صناعة النشر وتجارتها.

فازدهار الأدب يبدأ من القارئ الواعي والكاتب المبدع والناقد الحريص، وتوفير المناشط والإصدارات يسهم في تطورهم.                                                  

  لديك عدم اقتناع بالنقد والنقاد، وهذا من سنوات وليس جديداً، هل تغيرت قناعتك في النقد وأهله وما التعليل؟                                                           

لا أحد يدعي أنه في منأى عن الاستفادة من النقد، والنقد الجيد يطور أدوات الكاتب طالما قدم بالطريقة الصحيحة من خلال إبراز نقاط القوة والفرص والتنبيه لنقاط الضعف والتهديدات. 
قد تكون مشكلتي مع النقاد في كون الطريقة الأكاديمية المجردة قد لا تناسب التمرد والرغبة في التجريب التي أمارسها في نصوصي أحيانًا، وما أراه أحيانًا من نقد في الساحة قد تحول لأحكام سريعة ومجاملات قائمة على العلاقات وتصنيفات جاهزة تبحث عن اسم الكاتب قبل القراءة له، أما النقد بمقابل مادي فلا أريد التطرق له وهو موجود بالساحة للأسف.
بالمقابل هناك نقد يثريك ويرفعك وهو ما لاحظته من الأصدقاء الذين قاموا بنقد مجموعاتي وقصصي ونصوصي بكل تجرد، وكان لهم الأثر البالغ في تطوير لغتي وأساليبي.

  في المشهد الأدبي، هناك المكرّس والمشهور في المشهد، هناك الاسم المعروف والنص غير المعروف كيف ترى هذين الأمرين؟

الزمن كفيل بمنح النصوص الجيدة ما تستحقه من حفاوة، اسم الكاتب يدعم نصوصه بخبرته وتواجده، وجودة النص تدعم الكاتب المبتدئ لأن يتجاوز قدراته الحالية ويطورها، الشهرة قد تدعم الكاتب لكن بلا مشروع وفئة مستهدفة لن يصل ولن يستمر. 

يذكرني ذلك بمقولة 15 دقيقة من الشهرة لآندي وارهول حيث يسلط الضوء على المبدع لفترة محدودة من الوقت ثم يقضي بقية حياته يحاول جاهدا العودة لبقعة الضوء تلك بينما تمنح ضيائها لآخرون وهكذا تستمر الحكاية.

والجملة الأولى في ردي تلخص الحقيقة التي لا يراها المشهور فعليه أن يستوعب أنه مجرد أداة استخدمتها الفكرة للدخول لعالمنا وهي من ستخلد أثره. 

هل هناك قصص سعودية تستحق أن تتحول إلى عمل درامي؟            

قصص كثيرة جدا تستحق، لدينا مخزون هائل يحتاج فقط لتعاون بين هيئة السينما وهيئة التلفزيون والشركات الإنتاجية وبين الكُتّاب، إما بتدريبهم على كتابة السيناريو أو طلب المادة الخام منهم ويحولونها هم.

الغريب أن معظم الأعمال التي نشاهدها في الساحة المحلية إما مكتوبة بشكل مباشر للعمل أو يتولى المخرج والمنتج فكرتها. صعب على الكاتب أن يبحث عن من يقدم إنتاجه ويعرض نفسه بصورة لا تليق لمن لا يفهم تجربته.

هناك مبادرات جيدة حاليا لتحويل الروايات لكن لا أحد يتحدث عن القصص. مع أنها مشروع ناجح بكل المقاييس كأنثولوجيا درامية أو خيالية ولما في أعمال مرايا وطاش ما طاش وblack mirror  نماذج رائعة.


كيف ترى مستوى القصة القصيرة في مدينة جازان؟

بيئة جازان ثرية بالحكايات والرموز والأساطير ولدينا أسماء مهمة في القصة في مدينة جيزان والمنطقة بشكل عام وهي معروفة محليا وعربيا، وهناك الكثير من الأصوات الجيدة الجديدة التي تستحق الظهور في المنصات الأدبية. ينقصنا فقط توحيد الجهود فيما بيننا كما يفعل الشعراء بالمنطقة على الأقل. 

أين تجد نفسك في القصة القصيرة ام عالم الرواية ولماذا؟

أجد نفسي حيث توجهني الفكرة، بعض الأفكار كثفتها في قصص قصيرة وهي كانت تستحق التوسيع في أعمال أكبر.

لكنني تعلمت ألا أدع الأجناس الأدبية الشائعة وغير الشائعة لأن تحد من اتساع القصة أو تكثيفها بقدر ما تأخذ مكانها المناسب.

لذا أصف نفسي حاليا بكاتب قصة بدأ يتمرد على طولها وقد يتجاوزها ليصل لحدود الروايات القصيرة.

وأجد نفسي شغوفا جدا بالعوالم والعلوم والأساطير والخيط الرفيع الذي يجمع مثلا بين الفيزياء والفلسفة والأسطورة وخيال طفل.

حدثنا عن تجربتك في برامج معتزلات الكتابة؟ وما هي الاستفادة من البرنامج بالنسبة لك؟

من أجمل التجارب التي خضتها وكونت فيها صداقات ما زالت مستمرة، كنا في القصيم جمعتنا القصة والشتاء، كنا من جيزان والأحساء والرياض والطائف وعسير والإمارات وفلسطين وآيسلندا، تجارب متعددة وأصوات ثرية وقلب واحد. 

وفترة المعتزل منحتني فرصة لأن أعمل بشكل مستمر على إصداري الأخير الصادر عن دار يسطرون (بالتّة: روح تحيا بالألوان 2025)، وأنوي المشاركة مجددا في المعتزلات في الأعوام المقبلة لكن هذه المرة كمرشد للمشاركين.
                                                                                                                    

اليوم تشهد الرواية المحلية صعوداً مستمراً، ما قولك في الروايات التي برزت مؤخراً؟ 
 


هناك تنوع ملحوظ في الأفكار والعناوين والأجناس وتخاطب كل الفئات المستهدفة من الطفل صعودا للقارئ الذي يهتم بقوائم البوكر. وبينما هناك أفكار جديدة فأيضا أعمال سقطت في فخ التكرار.
أما عن رأيي فللأسف منذ فترة توقفت عن قراءة الإصدارات الجديدة لأسباب عدة منها عملي في وظيفتين وبالكاد أجد وقتا لقراءة الأعمال والمراجع التي أحتاجها لكتبي المقبلة ، لكن العديد من هذه الإصدارات متواجدة بمكتبتي تنتظر أن تمنحني تجربة إنسانية وفنية صادقة فأنا قارئ قبل أن أكون كاتبا.

ماذا تتمنى من المؤسسات الثقافية تجاه الأدب والثقافة؟                     

أن تستمر في تطوير أعمالها الحالية الرائعة ولا تتراجع، وأن تكثف الورش المختصة للمواهب، وتعيد تقديم الأعمال القديمة من عام 2020 وما قبل للجيل الجديد.

لا بد من شراكة مع المكتبات الخاصة لاستيعاب أكبر قدر ممكن من الأعمال المحلية وكذلك ترجمة ما يستحق منها، وخطوة الترجمة قد بدأت بالفعل وتحتاج لتوسع.

هذا الاستثمار سيعود على مجتمعنا مستقبلا ويساهم في رفع جودة الحياة.

                                                
هل تحتاج القصة القصيرة  إلى المهرجانات  للحضور الأكبر كما الشعر والفلسفة؟         

وجهة نظري الخاصة أن القصة تحتاج لجمهور أوسع من خلال أندية القراءة وورش الكتابة والمسابقات المستمرة وتحويلها لإنتاجات مرئية وسمعية ومسرحية أكثر من احتياجها للمهرجانات لو كانت ستقتصر فقط على الدراسات النقدية وإلقاء الكاتب لقصصه على المنبر.

في رأيي أن القصة تُقرأ ولا تُلقى مهما كان تمكن القاص من الإلقاء. ولا يمنع من وجود ملتقيات تحتفي بالقصة وكُتّابها ويستفاد من تجاربهم وإصداراتهم.


لماذا هناك غياب لحضور القصة العاطفية  الرومانسية للقاصين في المملكة؟

ربما وجودها في الرواية وفي النصوص النثرية غلب على وجودها في القصص القصيرة التي كثرت تقنياتها وأساليبها وأسئلتها الفكرية والاجتماعية والنفسية، هي موجودة لكن بقوالب أخرى أكثر تعقيدا من السرد الخطي المعروف (قصة فتى يحب فتاة وتنتهي نهاية سعيدة). 

ماذا تقول للشباب القاص الجديد على الكتابة ؟                               

القراءة أولا وأخيرا، الانفتاح على الثقافات والتجارب المختلفة، عدم استعجال النشر أو البحث عن صوته الخاص، الكتابة كحاجة ملحة لقول ما يستحق لا من أجل لقب الكاتب والقاص والروائي. وكذلك ألا يستهين بقوة المراجعة والتشذيب والتحسين لكن ليكن متوازنا فلا يقسو على نفسه ولا يتباهى ويتشبث برأيه.
   

                                                                                                                                      
حدثنا عن مشروع السفراء في مدينة جازان؟

المشروع تابع لجمعية الأدب المهنية وكنت ضمن المجموعة الأولى التي عملت فيه لكنه تطور الآن ليشمل جميع المحافظات في المنطقة وهذا يوسع قاعدة العمل الثقافي ويبرز الأصوات الجديدة ويعيد الأصوات المخضرمة للظهور خاصة مع وجود البرامج المشتركة مع بيت الثقافة بجيزان وبرامج الشريك الأدبي. يتبقى فقط استدامة مثل هذه المبادرات والتعاون مع الجهات التعليمية والمدنية لتقديم برامج تهتم بالشباب والأطفال.

كيف ترى تجربة الشريك الادبي ومعتزلات الكتابة كمثقف؟

رائعة بكل المقاييس والقائمون عليها يؤدون عملا احترافيا يستحق التقدير والإشادة. منحتنا فرصة للحوار والتأمل وتبادل الخبرات والنقاشات الواعية. 
                                                           
 كيف ترى حضور القصة القصيرة جدًا في المملكة، وماهي أسباب عدم الانتشار الكبير لها؟           

لا نختلف على أنها أحد أصعب الأجناس الأدبية سواء بشكلها الحالي الذي يقوم على المفارقة والتكثيف أو بشكلها الأصغر الذي يقوم على الومضة والرمز ويقترب كثيرا من الهايكو الياباني.

أذكر أول قصة قرأتها في هذا الجانب لهيمنجواي وهي عبارة عن قصة من ست كلمات "للبيع، حذاء طفل، لم يلبس قط.

" وهذا الأسلوب أصبح مدرسة ثقافية أثرت كتاب القصة في كل مكان وأصبح التحدي في عدد الكلمات لإيصال مشهد قصصي متكامل بما فيه من حبكة وعناصر سردية. 

أرى أنها انتشرت كثيرا مؤخرا حتى على حساب القصة الكلاسيكية لكن لا يزال العديد يخلط بينها وبين النص النثري وكذلك يميلون للإغراق في الرمزية والاستعراض اللغوي، وأخشى أيضا أن أقع في مثل هذا الخلط فأحاول تطوير تجربتي فيها بمساعدة الأصدقاء.              
     

                                                                                        
هل هناك فكرة مشروع رواية؟                                                                                                 

نعم لدي مشروعان بدأت فيهما أحدهما رواية والثاني روايات قصيرة لكن لن أتحدث عنها قبل أن تكتمل. هناك مشاريع قائمة الآن هي أولى بوقتي وتحتاج اهتمامي لأن البطل فيها هو المكان: جازان. 
 

تمتاز في كتاباتك القصصية  بالنفَس السردي القوي واللغة الجميلة وأيضا تصوير للشخصية.. كيف صنعت ذلك؟     

ينبغي على الكاتب أن يكون قارئا جيدا ومراقبا جيدا لما حوله ومن حوله وكذلك متقمصا جيدا للأصوات والأفكار والشخصيات.

لكل منها دوره فالقراءة تثري اللغة والخيال، والمراقبة تغوص بك في أعماق الحياة وتقاطعاتها وتشعباتها، والتقمص يعطيك عينًا إضافية ترى منها العالم من وجهة نظر الشخصية بكل تعقيداتها الداخلية وتكوينها النفسي.

ولا أحاول استخدام اللغة للزينة بقدر تطويعها لخدمة الفكرة والسرد. وأريد أن يشعر القارئ بالصدق في الكتابة وتماسها مع مشاعره ومنظومة أفكاره ومعتقداته.