النهار

٠٩ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يوليو-٢٠٢٦       1980

بقلم- جمعان الكرت

أما القصور التاريخية، فقد كانت درسًا آخر في فلسفة المكان. فقصر آل أبو سراح، وقصور آل عايض، وقصور ابن مشيط، لم تكن بالنسبة لي مباني أثرية فحسب، بل شواهد على قدرة الإنسان على تحويل الحجر إلى ذاكرة. وكل عملية ترميم رأيتها لم تكن إعادة بناء لجدار، وإنما إعادة إحياء لقصة كادت أن تغيب.
وفي قصر آل أبو سراح، لم أستمع إلى تاريخ أسرة فحسب، بل إلى حوار بين الماضي والحاضر، حيث أصبح القصر اليوم فضاءً للثقافة والفنون والفعاليات الشعبية، وكأن المكان يرفض أن يكون أسير الماضي، ويصر على أن يعيش زمنه الجديد دون أن يتخلى عن جذوره.
ولم تكن قصور ابن مشيط مختلفة في رسالتها. فوجود معرض فني داخل أحد القصور التاريخية كان كافيًا ليؤكد أن التراث لا يعيش في عزلة، بل يزدهر حين يلتقي بالإبداع المعاصر. وهنا أدركت أن المكان الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجمع بين الأمس واليوم دون أن يفقد هويته.
وخلال رحلاتي في عسير، لم تكن القرى والجبال والقصور هي وحدها التي شدتني، بل كان الإنسان حاضرًا في كل مشهد. فكل من التقيته كان يضيف إلى المكان معنى جديدًا، حتى أصبحت مقتنعًا بأن أجمل ما في الجغرافيا ليس تضاريسها، وإنما البشر الذين يمنحونها روحها.
ولذلك لم أعد أؤمن بأننا نكتشف الأماكن وحدنا. نحن نظن أننا نقرأها، بينما هي التي تقرأ فينا مقدار شغفنا، وصبرنا، وقدرتنا على الإنصات. فإن وجدتنا عابرين، منحتنا صورًا تلتقطها العدسات ثم تنساها الذاكرة. وإن وجدتنا محبين، فتحت لنا أبوابها، وأهدتنا من أسرارها ما لا تكتبه الكتب.
لهذا خرجت من عسير وأنا أحمل يقينًا جديدًا: أن المكان ليس مساحة على الخريطة، بل تجربة إنسانية كاملة. وكل مكان يمنحنا جزءًا من روحه، يترك في داخلنا أثرًا لا يزول. وربما لهذا السبب لا نتذكر المدن بأسمائها، وإنما نتذكر وجوه أهلها، ورائحة ترابها، وصوت أسواقها، وظلال أشجارها، واللحظات التي شعرنا فيها أننا لم نعد غرباء.
ومنذ ذلك الحين، كلما سألني أحد عن رحلة أو مدينة، عدت إلى السؤال الأول: هل نكتشف المكان… أم أن المكان هو الذي يكتشفنا؟ وأجدني أميل إلى الإجابة نفسها في كل مرة: المكان لا يمنح أسراره لكل من يمر به، وإنما يكشف نفسه لمن أحبّه، وأحسن الإصغاء إليه، وجعل من الرحلة وسيلة لاكتشاف الإنسان قبل اكتشاف الجغرافيا.
نواصل الحديث عن مواقع مدهشة حقًا في حلقات قادمة