النهار السعودية

٠٦ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٦ يوليو-٢٠٢٦       2475

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

إلى كتاب «الأدب اليوناني» لـ فرنان روبير… رفيقِ الشباب الذي غاب عن رفوف مكتبتي، وبقي أربعة عقودٍ كاملة على رفوف الذاكرة.

في مناسبة هذا المقال

قبل نحو أربعين عاماً ؛ وقعت بين يديّ نسخة من كتاب «الأدب اليوناني» لفرنان روبير، فأخذني في رحلةٍ بين آلهة اليونان وأساطيرها، وملاحمها وأبطالها، وشعرائها وفلاسفتها. 
ثم مضت السنون، وضاع الكتاب في يد زميلٍ استعارَه ولم يرده، فغاب عن مكتبتي، لكنه لم يغب عن ذاكرتي.

وبعد هذه العقود الطويلة ؛ أعادت إليّ هذه المحاورة اسم الكتاب وصاحبه، وأيقظت في النفس شوقاً قديماً إلى تلك الرحلة الأولى. 
ومن هنا ..جاءت هذه الكلمات؛ لا بوصفها بحثاً تاريخياً، ولا تلخيصاً لكتاب، وإنما تحويمةُ طائرٍ فوق حضارةٍ تركت في العقل الإنساني من الأثر ما جعلها حاضرةً بعد أكثر من ألفي عام.

لو أتيح لطائرٍ أن يحلّق فوق اليونان القديمة ؛ لرأى أرضاً صغيرةً في جغرافيتها، عظيمةً في أثرها..جبالٌ وجزرٌ متناثرة على بحر إيجه، ومدنٌ مستقلة لكل واحدةٍ منها روحها وشخصيتها.

هناك في أثينا ؛ ارتفع شأن العقل والفلسفة، وفي إسبرطة علت قيمة الشجاعة والانضباط. ومن بين المدينتين وُلد الإنسان اليوناني؛ عقلٌ يتأمل، وذراعٌ يقاتل.

وكان اليونانيون مولعين بالجمال؛ يرون في الرياضة فناً، وفي الشعر ضرورة، وفي النقاش متعةً عقلية..حتى إن أسواقهم وساحاتهم العامة كانت تضج بالأسئلة والمناظرات، وكأنهم أدركوا منذ وقتٍ مبكر ؛ أن السؤال هو أول الطريق إلى الحكمة.

وقبل أن يفتحوا أبواب العقل ؛ فتحوا أبواب الخيال.
فامتلأت سماؤهم بالآلهة، وسكنت الأساطير تفاصيل حياتهم. 
وعلى قمة جبل الأولمب ؛ أقاموا مملكةً للآلهة يتصدرها زيوس سيد السماء والرعد، وبوسيدون سيد البحار، وأثينا سيدة الحكمة، وأفروديت ربة الحب والجمال.

غير أن اليونانيين لم يصنعوا من آلهتهم عقيدةً فحسب، بل صنعوا منها أدباً. كانت آلهتهم تحب وتغضب وتحارب وتتصالح، حتى بدت أقرب إلى البشر منها إلى المقدسات. 
ومن هنا ؛ وُلدت الأسطورة، تلك المحاولة الأولى لتفسير الكون قبل أن يهدي العقل الإنسان إلى الفلسفة.

ثم جاءت الملاحم، فأنشد هوميروس «الإلياذة» و«الأوديسة»، فخلّد الأبطال، وصوّر الشجاعة والصبر والحنين إلى الوطن، وجعل من البطولة معنىً إنسانياً يتجاوز حدود الزمان والمكان.

وقد نُسب إلى حكماء اليونان قولهم:
"لا تُقاس عظمة الإنسان بما يملكه، بل بما يستطيع أن يقدمه".
ثم وقع التحوّ ل الأعظم ؛ إذْ  رفع اليوناني بصره من الأسطورة إلى العقل.
فخرج سقراط يسأل الناس ويوقظ عقولهم قائلاً:
"اعرف نفسك".
وجاء أفلاطون ليقول:
"بداية الحكمة هي الدهشة".
ثم أتى أرسطو ليقرر أن:
"العقل ليس وعاءً يُملأ، بل نارٌ تُوقد".

ومنذ تلك اللحظة لم تعد اليونان مجرد أرض للأساطير، بل أصبحت وطناً للفلسفة، ومختبراً للأسئلة الكبرى: ما الخير؟ وما العدل؟ وما غاية الإنسان من وجوده؟

ولم يكن المسرح عندهم لوناً من الترف، بل مدرسةً للحياة؛ ففي مآسيهم وقف الإنسان وجهاً لوجه أمام القدر، وأمام أسئلته التي لا تنتهي.
وقد قال المؤرخ ويل ديورانت:
"لو حُذف التراث اليوناني من التاريخ ؛ لتغير وجه الحضارة الأوروبية كلها".
وقال الشاعر الإنجليزي شيلي:
"كلنا يونانيون".

ولعل في العبارة شيئاً من المبالغة الأدبية، لكنها تشير إلى حقيقة لا يمكن إنكارها ، وهي : أن اليونان كانت منبعاً لكثيرٍ من أفكار العالم في الأدب والفلسفة والفنون.

وهكذا ، إذا أتمّ الطائر تحويمته فوق اليونان القديمة ؛ فسيرى أمةً بدأت بالأسطورة، ومرّت بالملحمة، وبلغت الفلسفة، ثم تركت للعالم إرثاً لا يزال حياً بعد أكثر من ألفي عام.

لقد كانت اليونان صغيرةً على الخريطة، لكنها واسعةٌ في الخيال، عميقةٌ في الفكر، بعيدةُ الأثر في تاريخ الإنسانية.

وما أصدق ما تعلمته من ذلك الكتاب القديم: إن بعض الكتب لا نقرؤها مرةً واحدة، بل تظل تقرؤنا على امتداد العمر. فالكتب التي نحبها قد تغيب عن أيدينا، لكنها لا تغيب عن أرواحنا، وتبقى كامنةً في الذاكرة حتى يوقظها سؤالٌ عابر أو ذكرى بعيدة، فتعود إلينا كما يعود الأصدقاء القدامى؛ غابوا طويلاً، لكن مودتهم لم تغب يوماً.