النهار

٠٧ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ يوليو-٢٠٢٦       3080

بقلم ـ موضى عوده العمراني

هناك رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بما يشغلون من مناصب، بل بما يتركونه في أوطانهم من أثر، وما يغرسونه في قلوب الناس من محبة، وما يصنعونه من تاريخٍ يظل حاضرًا كلما ذُكر العطاء. ومن هؤلاء صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة تبوك، الذي ارتبط اسمه بالمنطقة حتى غدا أحد عناوينها، وأحد أبرز صُنّاع نهضتها الحديثة.

ولذلك، لم تكن عودته -حفظه الله- بعد رحلته العلاجية حدثًا عاديًا، بل كانت لحظةً انتظرها أبناء  تبوك  بقلوبٍ يملؤها الدعاء، واستقبلوها بمشاعر صادقة لا تصنعها المجاملات، وإنما يصنعها الوفاء. فالرجال الذين يزرعون الخير، يحصدون المحبة، والذين يجعلون الإنسان محور اهتمامهم، يسكنون وجدان الناس قبل أن يسكنوا مواقع المسؤولية.

لقد شهدت تبوك، على امتداد سنواتٍ طويلة، مرحلةً فارقة من البناء والتنمية، كانت فيها رؤية الأمير فهد بن سلطان حاضرةً في كل مشروع، وعزيمته واضحةً في كل إنجاز، حتى أصبحت المنطقة نموذجًا تنمويًا يشار إليه بالبنان. ولم تكن التنمية عند سموه مجرد أرقامٍ أو مبانٍ، بل كانت مشروعًا متكاملًا يبدأ بالإنسان، ويؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن ازدهار الأرض لا يكتمل إلا بازدهار أهلها.

وما يميز القائد الحق، أنه لا يكتفي بإدارة المكان، بل يصنع علاقةً إنسانيةً مع أهله. ولذلك، لم يكن الأمير فهد قريبًا من المواطنين بصفته أميرًا فحسب، بل بقلبه الذي عرفه الجميع، وبأبوابه المفتوحة، وبحضوره الدائم في أفراحهم وأحزانهم، حتى أصبح رمزًا للأبوة الإدارية، والحكمة، والاحتواء.

وحين ألمَّ به العارض الصحي، اتحدت الدعوات قبل الكلمات، وارتفعت الأكف إلى السماء تسأل الله له الشفاء، لأن المحبة الصادقة لا تُفرض، بل تُكتسب عبر سنواتٍ من الإخلاص والعمل. واليوم، وقد أعاده الله سالمًا معافى، فإن الفرح لم يكن بعودة مسؤولٍ إلى مكتبه، وإنما بعودة رجلٍ يحتل مكانةً خاصة في قلوب أبناء المنطقة.

إن الوفاء قيمةٌ لا يعرفها إلا الكبار، وأهل  تبوك  كانوا أوفياء لمن كان وفيًّا لهم. فقد أثبتت هذه المناسبة أن العلاقة بين القائد وأبناء منطقته ليست علاقة منصبٍ بمرؤوسيه، وإنما علاقة ثقةٍ ومحبةٍ صنعتها الأيام، ورسختها المواقف، وخلدتها الإنجازات.

حمى الله صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وألبسه لباس السلامة، وجعل ما أصابه رفعةً في الدرجات وتكفيرًا للسيئات. كما نسأله سبحانه أن يديم على وطننا أمنه واستقراره ورخاءه في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، وأن يحفظ لهذا الوطن رجاله المخلصين الذين جعلوا من خدمة الدين ثم المليك والوطن رسالةً ومسؤولية.

أنورت  تبوك  بعودة أميرها، لا لأن النور غاب عنها، ولكن لأن بعض الرجال إذا حضروا، اتسعت في المكان معاني الطمأنينة، وتجددت في النفوس مشاعر الوفاء، وأدرك الجميع أن الأثر العظيم لا يصنعه إلا الرجال العظام.