الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يوليو-٢٠٢٦       3740

بقلم - علي بن عيضة المالكي

ثمة بشر مهما حاولت استفزازهم لا تجدهم يندفعون إلى الغضب، ولا ينجرفون خلف كل كلمة تُقال أو كل تصرف يواجهونه. وقد يظن البعض أن هدوءهم ضعف، أو أن صمتهم عجز، بينما الحقيقة تختلف تمامًا. فهؤلاء يملكون من الوعي ما يجعلهم يدركون أن كل مواجهة لها ثمن، وأن كل معركة تستنزف شيئًا من العمر والطاقة، ولذلك لا يمنحون وقتهم لكل من يبحث عن الخصومة.
إنهم يراقبون المشهد بصمت، لا لأنهم غافلون عما يحدث، وإنما لأنهم يرون ما لا يراه كثيرون. يقرؤون الوجوه، ويحللون التصرفات، ويستوعبون الدوافع، فتتكون لديهم صورة كاملة قبل أن ينطقوا بكلمة واحدة. فكم من موقف بدا واضحًا في ظاهره، ثم كشفت الأيام أن الحقيقة كانت تسير في اتجاه آخر. وكم من إنسان خسر علاقة أو عملًا أو صديقًا لأنه استعجل الحكم، بينما ربح المتأني الحقيقة كاملة لأنه منح نفسه فرصة لقراءة المشهد بهدوء.
ولعل أكثر ما يميز هؤلاء أنهم لا يحكمون على الناس من موقف واحد، ولا من كلمة عابرة، لأنهم يعلمون أن الإنسان قد يخطئ مرة، وقد تزل به القدم في لحظة ضعف، أما الطباع فلا تكشفها إلا المواقف المتكررة. لذلك تجدهم يراقبون تسلسل الأحداث، ويقارنون بين الأقوال والأفعال، ويتركون الزمن يؤدي دوره في كشف ما تخفيه المجاملات والكلمات المنمقة.
وفي بيئات العمل تظهر هذه الشخصيات بوضوح. فقد يسعى أحدهم إلى تشويه صورة زميله، أو التقليل من جهوده، أو نسب نجاحه إلى نفسه، بينما يلتزم الطرف الآخر الهدوء ويواصل عمله بإتقان. تمر الأيام، فتتكشف الحقائق، ويعرف الجميع من كان يعمل بإخلاص، ومن كان يعيش على الضجيج. فالأداء الصادق يبقى، أما الادعاءات فتسقط عند أول اختبار.
وفي العلاقات الاجتماعية تتكرر الصورة ذاتها. قد يتعمد بعض الأشخاص استفزازك أمام الآخرين، أو إحراجك بكلمة، أو التقليل من شأنك انتظارًا لرد فعل غاضب. غير أن الإنسان الحكيم يدرك أن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة، وإنما يبحثون عن انفعال يحقق لهم انتصارًا وهميًا. لذلك يحرمهم من غايتهم، ويغادر الموقف محتفظًا بهدوئه وكرامته، فيكون صمته أبلغ من عشرات الكلمات.
أما داخل الأسرة، فكم من خلاف بدأ بجملة قيلت في لحظة غضب، ثم تحول إلى قطيعة استمرت سنوات. وكم من مشكلة انتهت لأن أحد الطرفين آثر الصمت حتى هدأت النفوس، ثم عاد للحوار بعقل راجح وقلب هادئ. فالكلمة حين تخرج في ساعة الانفعال قد تهدم ما بنته سنوات من المحبة، أما الكلمة التي تخرج بعد هدوء النفس فتفتح أبوابًا كانت تبدو مغلقة.
وليس معنى ذلك أن الصمت فضيلة في كل الأحوال، فهناك مواقف يصبح فيها السكوت تقصيرًا، كالدفاع عن حق، أو نصرة مظلوم، أو منع ظلم، أو أداء أمانة. غير أن أصحاب الحكمة يميزون بين الموقف الذي يحتاج إلى كلمة شجاعة، والموقف الذي لا يستحق أن يُهدر فيه العمر والراحة. فهم لا يصمتون خوفًا، وإنما يختارون الوقت الذي تكون فيه الكلمة نافعة، لا مجرد رد فعل.
وقد أثبتت التجارب أن أكثر الناس هدوءًا هم أكثرهم قدرة على فهم الآخرين. فهم لا ينشغلون بما يقوله الناس عنهم، وإنما بما يفعلونه هم. ولا يقيسون نجاحهم بكثرة من صفق لهم، وإنما بما تركوه من أثر حسن، وما حافظوا عليه من قيم ومبادئ. ولهذا تراهم أقل الناس دخولًا في الخصومات، وأكثرهم احتفاظًا باحترام الجميع، حتى أولئك الذين اختلفوا معهم.
ومع مرور العمر يكتشف الإنسان أن الزمن حليف الحقيقة. فما خفي اليوم قد يظهر غدًا، وما حاول البعض تزيينه تكشفه الأيام، وما أخفته الكلمات تفضحه التصرفات. لذلك لا يستعجل الحكم، ولا يرهق نفسه بمحاولة كشف كل شيء، لأنه يعلم أن الأيام تؤدي هذه المهمة بإتقان لا يملكه أحد.
وحين ترى إنسانًا يراقب المشهد بصمت، فلا تتعجل في تفسير صمته، فقد يكون قد أدرك من خفايا الأمور ما لم تدركه، ووصل من النضج إلى مرحلة لم يعد يرى فيها كل استفزاز جديرًا بالرد، ولا كل تجاوز مستحقًا للمواجهة. لقد تعلم أن الهيبة لا تصنعها الأصوات المرتفعة، وأن الكرامة لا تحتاج إلى معارك تثبت وجودها، وأن أعظم الانتصارات هي أن تحافظ على اتزانك، وتمضي في طريقك، وتترك للأيام أن تقول الكلمة التي يعجز كثير من الناس عن قولها.