الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ يونيو-٢٠٢٦       6160

بقلم ـ طارق محمود نواب

كلما شاهدنا فيلمًا أو استمعنا إلى لحن أو رأينا مشهدًا مصورًاوجدنا حوله أسوارًا من الأنظمة والقوانين التي تحرسه من العبثوالنسخ والسرقة. فلا يستطيع أحد أن يقتطع منه ثانية واحدة دون إذنولا أن يعيد نشره أو استثماره إلا وفق حقوق محفوظة يحميها القانون.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو لماذا لا تحظى الكلمة بالحمايةذاتها؟

لماذا تصبح المفردة وهي أصل كل فكرة الحلقة الأضعف في منظومةحماية الإبداع؟

فالسيناريو يبدأ بكلمة والأغنية تبدأ بكلمة والكتاب يبدأ بكلمة والخطابيبدأ بكلمة وحتى أعظم المشاريع الإنسانية بدأت بفكرة صاغتهاكلمات. ومع ذلك نجد أن النصوص تُنسخ والمقالات تُقتبس كاملةوالخواطر تُسرق ثم تُنسب إلى غير أصحابها وكأن الفكر مشاعوالإبداع بلا مالك.

ولعل أخطر أنواع السرقات ليست سرقة المال بل سرقة الجهد الفكريلأنها لا تنتزع شيئًا ماديًا فحسب بل تنتزع الاعتراف وتطمس هويةالمبدع وتصادر سنوات من القراءة والتأمل والتجربة حتى تبدو الفكرةوكأنها وُلدت في عقل السارق لا في عقل صاحبها.

ولسنوات طويلة كان الكتاب الورقي يؤدي دور الحارس الطبيعيلحقوق صاحبه. فالنشر لم يكن يسيرًا والنسخ كان محدودًا وكانتالمكتبات ودور النشر تمثل سجلًا تاريخيًا يحفظ نسب النصوص إلىأصحابها. أما اليوم فقد تغيّر المشهد تمامًا.

ففي العصر الرقمي أصبحت الكلمة تسافر في ثوان إلى ملايينالشاشات وتُنسخ بضغطة زر وتُعاد صياغتها أو يُقتطع منها ما يشاءالآخرون ثم تُنشر في حسابات أخرى دون إشارة إلى صاحبها. بل إنبعضهم يبني حضوره وشهرته على أفكار غيره حتى أصبح من السهلأن يضيع الأصل وسط كثرة النسخ.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي فهل بقي الكتاب اليوم كما كان في السابقالحارس الأول لحقوق صاحبه؟ أم أن العصر الرقمي تجاوز تلكالمرحلة وأصبح من الضروري أن تتقدم الأنظمة والتقنيات لحمايةالنصوص كما تحمي الأفلام والألحان وسائر المصنفات الإبداعية؟

إن حماية النصوص لم تعد ترفًا ثقافيًا بل ضرورة حضارية. فالمجتمعات التي تريد صناعة المعرفة لا تكتفي بتشجيع الإبداع بلتحمي المبدعين أيضًا. لأن الكاتب الذي يشعر بأن ثمرة فكره معرضةللسرقة سيتردد في العطاء بينما يزدهر الإبداع حين يطمئن صاحبهإلى أن حقه محفوظ.

كما أن المسؤولية لا تقع على الأنظمة وحدها بل تبدأ من المجتمع نفسه. فاحترام حقوق الكاتب قيمة أخلاقية قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. ونسبة النص إلى صاحبه ليست مجاملة وإنما أمانة علمية وأدبيةتعكس احترام الجهد الإنساني وتقدير العقول التي تصنع المعرفة.

وبصدق إننا بحاجة اليوم إلى ثقافة جديدة ترى أن سرقة مقال لا تقلخطورة عن سرقة لحن وأن انتحال فكرة لا يقل سوءًا عن قرصنة فيلموأن الكلمة مهما بدت بسيطة تحمل في داخلها سنوات من العمر لايراها إلا صاحبها.

فالكلمة ليست حبرًا على ورق بل ثمرة عقل وسنين من التأمل والتجربة. ومن يسرقها لا يسطو على جملة فحسب بل يسرق جزءًا من عمركاتبها ويصادر حقه في الاعتراف بإبداعه.

وحين ندرك أن الأمم لا تُقاس بما تبنيه المصانع وحدها بل بما تنتجهالعقول أيضًا سندرك أن حماية النصوص ليست دفاعًا عن الكاتبوحده بل دفاعًا عن مستقبل الثقافة وعن قيمة المعرفة وعن حق الإنسانفي أن يبقى أثره منسوبًا إليه.

وحين يصبح للمفردة حارس كما للفيلم واللحن واللقطة سنكون قدخطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع يحترم الإبداع ويؤمن بأن الكلمةليست أقل قيمة من أي منجز آخر بل هي البداية التي يولد منها كلمنجز.