الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ يونيو-٢٠٢٦       2420

بقلم- ياسين سالم
يتسائل العراقيون عن حملة الاعتقالات ببغداد: اختبار جدّي لمكافحة الفساد أم مناورة سياسية؟ 
فجر الأحد 28 يونيو 2026، استيقظت بغداد على مشهد غير مألوف ،
مدرعات جهاز مكافحة الإرهاب تجوب شوارع المنطقة الخضراء ، ومداهمات متزامنة تطال منازل نوّاب وسياسيين ومسؤولين داخل الحصن الأكثر تحصيناً في العاصمة بغداد ، لم تكن مجرد عملية أمنية عابرة ، بل حملة اعتقالات وصفت بأنها الأوسع منذ 2003، جاءت بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ،

الخيط الذي فجّر الملف كان اعترافات وكيل وزارة النفط لشؤون التكرير عدنان الجميلي ، الموقوف منذ مايو بتهم فساد كبرى كشفت عن مبالغ تجاوزت 85 مليون دولار ، جزء منها مدفون تحت الأرض ، وبناءً على ما أدلى به ، أصدرت المحاكم أوامر قبض شملت أعضاء مجلس نواب رُفعت عنهم الحصانة فوراً ، ومسؤولين وردت أسماؤهم في التحقيقات ،

تنوعت قائمة المعتقلين لتعكس شمولاً ظاهرياً ، من تحالف العزم مثنى السامرائي والنائب محمد الكربولي ، إلى زياد الجنابي رئيس حزب التشريع الوطني ، وبهاء النوري ، وحسن الخفاجي ، ومحمد الصيهود ، وعالية نصيف ، ومضر الكروي وآخرين ، وحتى هذه اللحظة ، بلغ عدد الموقوفين نحو 47 مسؤولاً ونائباً ، وفق وكالة الأنباء العراقية ، واع ،

هنا يبرز سؤال المرحلة: 
هل الشعب العراقي أمام بداية فعلية لاجتثاث الفساد ، أم فصل آخر من مسرحية الانتقائية؟

من زاوية التفاؤل الحذر ، يبدو أن الزيدي يحاول ترجمة تعهداته إلى أفعال ملموسة ، فمنذ توليه في مايو الماضي جعل مكافحة الفساد أولوية ، وتحدث علناً عن عرض رشوة بـ200 مليون دولار لإغلاق ملف نفطي ، وشدد على أن التحرك يجب ألا يقتصر على صغار المفسدين ، التنسيق بين القضاء والسلطة التنفيذية ، ورفع الحصانة ، وتفعيل هيئة النزاهة بصلاحيات موسعة ، كلها مؤشرات على جدية نسبية ، 

لكن الشك يبقى مشروعاً ، فالتاريخ العراقي مليء بحملات تبدأ بضجيج ثم تذوب عند أول اصطدام بـ"الرؤوس الكبرى" ، الشعب سيسأل الحكومة: أين الرؤوس الكبيرة من رؤساء كُتل سياسية ومليشيات مسلحة؟ وأين ملفات المليشيات والحشد الشعبي التي لطالما اتُهمت بتجاوزات أعمق؟ وإذا كانت الحملة ستتوقف عند نواب من كتل معينة بينما تُحصَّن أخرى ، فستتحول من ملاحقة للفساد إلى تصفية حسابات سياسية ، 

لكن الإنصاف يقتضي القول إن حجم "الطركاعة السوده" باللهجة العراقية الدارجة ، التي أحدثتها الحملة الكبيرة داخل المنطقة الخضراء ، وجرأة رفع الحصانة عن نواب فاعلين ، يمنح العراقيين بصيص أمل غير مسبوق منذ سنوات ،
وربما تكون الاستراتيجية هي استكمال تطويق الحلقات الفاسدة المحيطة بالرؤوس الكبيرة أولاً وإستكمال الإعترافات ، تمهيداً للقبض عليها لاحقاً ، أي على الطريقة السعودية سنة 2017 ، فإذا صح هذا المسار ، فإن الزيدي قد يكون فتح باباً لا يُغلق نحو دولة قانون ومؤسسات حقيقية ،

رأيي المتواضع للعراقيين ، امنحوا الرجل بعض المجال ، لا تحكموا عليه مسبقاً ، فالمعركة صعبة جداً مع بياطرة الفساد ولا تُحسم في يوم واحد او في اسبوع او شهر  ، وانتظار اسم كبير يسقط سيكون هو الفيصل بين أن تكون هذه البداية ... أو مجرد فصل آخر .