بقلم: عبدالله الكناني
ليست الأمم العظيمة بما تمتلكه من ثروات فحسب، بل بما تحفظه من وفاء، وما تمنحه من تقدير لمن صنعوا تاريخها وأسهموا في بناء حاضرها. وحين نتأمل تجربة المملكة العربية السعودية في عنايتها بكبار السن، فإننا لا نقرأ مجرد برامج وخدمات ومبادرات، بل نقرأ فلسفة وطنية متكاملة تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها، وتضع الوفاء في منزلة لا تقل أهمية عن الإنجاز.
فكبار السن ليسوا فئة عمرية عابرة في السجل السكاني، بل هم ذاكرة الوطن الحية، وخبرته المتراكمة، وشهود مراحله وتحولاته، وأصحاب الأيادي التي زرعت وغرست وبنت وقدمت.
هم الذين حملوا المسؤولية في سنوات التأسيس الأولى، وشاركوا في صناعة المنجز الوطني الذي نعيشه اليوم،ولذلك فإن الحديث عن حقوقهم ورعايتهم ليس حديثًا عن منحة تُمنح أو خدمة تُقدم، بل عن استحقاقٍ أصيل يفرضه الوفاء قبل الأنظمة، وتوجبه القيم قبل اللوائح.
ومن هذا المنطلق جاءت العناية الكبيرة التي أولتها القيادة الرشيدة لكبار السن، حيث عكست الأوامر الملكية السامية والقرارات التنظيمية المتتابعة إدراكًا عميقًا لمكانة هذه الفئة الغالية، وحرصًا على توفير حياة كريمة لهم، تحفظ حقوقهم، وتصون كرامتهم، وتمكنهم من ممارسة حياتهم باستقلالية وأمان وجودة عالية.
ولعل المتأمل في مستهدفات رؤية المملكة 2030 يدرك أن التحول الذي شهدته المملكة في مجال رعاية كبار السن لم يكن تطويرًا للخدمات فحسب، بل تحولًا في المفهوم ذاته،فقد انتقلت الرؤية من الرعاية التقليدية إلى التمكين، ومن تقديم الخدمة إلى صناعة جودة الحياة، ومن النظر إلى كبار السن باعتبارهم متلقين للرعاية إلى اعتبارهم شركاء في التنمية، ومصدرًا للخبرة والحكمة والقيم.
من هنا بحمد الله نشأت منظومة وطنية متكاملة تتقاطع فيها أدوار الوزارات والهيئات والمؤسسات المختلفة،فالصحة تعمل على توفير الرعاية الوقائية والعلاجية والتأهيلية، والعدل ييسر الوصول إلى الحقوق والخدمات العدلية، والنقل والخدمات اللوجستية تطور بيئات أكثر ملاءمة وأمانًا، فيما تسهم الجهات الحكومية الأخرى في بناء خدمات رقمية وميدانية تراعي احتياجات كبار السن وتختصر عليهم الوقت والجهد والعناء.
*لكن ما يستحق التأمل حقًا* ليس حجم الخدمات فحسب، بل *التحول الثقافي* الذي رافقها،فالمملكة اليوم لا تبني منظومة خدمات لكبار السن فقط، بل تبني ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على الاحترام والتقدير والتمكين،وهي ثقافة تجعل من *العناية بكبار السن مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمؤسسات الحكومية والقطاع غير الربحي والمجتمع بأسره*.
وفي هذا المشهد الوطني المتكامل، يبرز القطاع غير الربحي بوصفه شريكًا فاعلًا في تحقيق مستهدفات التنمية الاجتماعية وتعزيز جودة الحياة،وقد شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا، انعكس على جودة البرامج والمبادرات الموجهة لكبار السن، واتساع نطاق أثرها المجتمعي.
من النماذج الوطنية التي أعتز بها وأفخر بالانتماء إليها *جمعية كبار السن الأهلية بالرياض*، التي تشرفت بعضوية مجلس إدارتها، والتي تحظى بالرئاسة الفخرية من *صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض*، وهو دعم يعكس إيمان القيادة بأهمية العمل الاجتماعي المتخصص، وحرصها على تمكين مؤسساته وتعزيز أثرها.
لقد استطاعت *الجمعية* أن تقدم نموذجًا وطنيًا رائدًا في خدمة كبار السن، من خلال مبادرات نوعية وبرامج تنموية ومشروعات اجتماعية وثقافية وصحية وتوعوية *تستهدف تحسين جودة الحياة، وتعزيز الاندماج المجتمعي، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لهذه الفئة الغالية*.
كما عملت على بناء شراكات فاعلة مع مختلف القطاعات لإيجاد بيئة أكثر استجابة لاحتياجات *كبار السن* وأكثر قدرة على تمكينهم وإبراز دورهم في المجتمع.
*من واقع التجربة*، أستطيع القول إن أكبر ما يحتاجه كبار السن ليس الخدمة وحدها، *بل الشعور بأن المجتمع ما زال يرى فيهم قيمةً ومعنى ومكانة*.
فالتقدير الحقيقي لا يقاس بعدد البرامج فقط، بل بمدى حضور كبار السن في وجدان المجتمع، واحترام آرائهم، والإنصات إلى تجاربهم، والاستفادة من حكمتهم، وإشعارهم بأن سنوات العطاء التي قدموها لم تذهب دون وفاء.
وفي *اليوم العالمي للتوعية بشأن عدم الإساءة إلى كبار السن*، تبرز رسالة مهمة ينبغي أن نستوعبها جميعًا؛ وهي *أن الإساءة ليست دائمًا كلمة جارحة أو سلوكًا مباشرًا، بل قد تكون تجاهلًا، أو إهمالًا، أو تقليلًا من الشأن، أو حرمانًا من المشاركة، أو عدم مراعاة الاحتياجات الخاصة*.
ولذلك فإن بناء الوعي المجتمعي يظل خط الدفاع الأول في حماية كبار السن وصون حقوقهم.
إن ما تحقق في المملكة في هذا المجال يدعو للفخر والاعتزاز، لكنه يدفعنا في الوقت ذاته إلى مواصلة العمل والتطوير، لأن الوفاء لا يعرف محطة أخيرة، ولأن خدمة كبار السن ليست مشروعًا مرحليًا، بل قيمة وطنية مستدامة.
وستظل المملكة ـ *بقيادتها الحكيمة، ورؤيتها الطموحة، ومؤسساتها الفاعلة، ومجتمعها الوفي ـ نموذجًا عالميًا في تقدير كبار السن وتمكينهم ورعايتهم*، لأن الوطن الذي يحفظ لكباره مكانتهم، هو وطن يعرف جيدًا كيف يصنع مستقبله، وكيف يرد الجميل لمن صنعوا أمسه.
فكبار السن ليسوا جزءًا من الماضي كما يظن البعض، بل هم الجسر الذي نعبر عليه نحو المستقبل، والوفاء لهم هو في حقيقته وفاءٌ لأنفسنا، ولمجتمعنا، وللقيم التي قامت عليها هذه البلاد المباركة.