بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
قبل عقدين من الزمن ؛ كانت المطالبات تتكرر بزيادة عدد الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودي، انطلاقاً من قناعة اقتصادية مفادها أن اتساع السوق يعني زيادة عمقه وقوته وقدرته على استيعاب السيولة وتنويع الفرص الاستثمارية.
وفي ذلك الوقت ؛ كان عدد الشركات المدرجة يدور حول المئة شركة تقريباً، أما اليوم فقد تجاوزت الشركات المدرجة الثلاثمائة شركة بين السوق الرئيسة والسوق الموازية..لكن التجربة أثبتت أن اتساع السوق شيء، وعمقه الحقيقي شيء آخر.
فالأسواق لا تُقاس بكثرة الأسماء المدرجة، بل بقدرتها على فرز الجودة من الرداءة..وكما يقول أهل الاقتصاد: ليس المهم عدد الداخلين إلى السوق، بل قدرة السوق على التمييز بين الكفؤ وغير الكفؤ.
لا خلاف على أن السوق السعودية تضم شركات وطنية كبرى ذات مراكز مالية قوية وأرباح مستقرة وأدوار استراتيجية مؤثرة في الاقتصاد الوطني..وهذه الشركات كانت وما زالت تمثل أعمدة السوق الحقيقية، وتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية الثقة والاستقرار.
لكن في المقابل؛ دخلت إلى السوق شركات لم تضف العمق المأمول، بل إن بعض إدراجاتها كان أكثر نفعاً لملاكها من نفعها للمستثمرين أو للسوق نفسها. ومع مرور الوقت ؛ تراجعت نتائج بعضها، وتآكلت قيمها السوقية، وبقي المتداول والمكتتب يدفعان ثمن التقديرات المتفائلة والوعود الكبيرة.
وليست المشكلة في تعثر بعض الشركات، فالتعثر جزء طبيعي من دورة الحياة الاقتصادية، وإنما المشكلة حين تصبح آليات الفرز غير قادرة على التفريق بوضوح بين الشركات القوية والشركات الضعيفة.
وقديماً قال أرسطو إن العدالة ليست المساواة بين المختلفين، بل إعطاء كل ذي حق حقه. وينطبق ذلك على الأسواق المالية؛ فليس من العدالة أن تحظى الشركات المتعثرة بالمكانة ذاتها التي تحظى بها الشركات التي تحقق الأرباح وتصنع القيمة وتدعم الاقتصاد.
ومن هنا ؛ تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم “سوق الإدراج” إلى مفهوم “سوق الجدارة”.
فالسوق الرئيسة يجب أن تكون موطناً للشركات الأكثر كفاءة وربحية واستدامة، بينما تُمنح الشركات الأقل نضجاً أو الأعلى مخاطرة مسارات أخرى تتناسب مع واقعها المالي والتشغيلي.
وقد يكون من المناسب التفكير في مسار ثالث موازٍ للسوق الرئيسة والسوق الموازية، يضم الشركات التي لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار والربحية المستدامة.
وليس الهدف من ذلك معاقبتها، بل حماية المستثمر، ورفع مستوى الشفافية، ومنح السوق قدرة أكبر على تصنيف المخاطر.
غير أن الأهم من تعدد المسارات هو أن تكون هذه المسارات متحركة لا ثابتة.
فالشركات الجديدة تبدأ في مسار النمو والتأهيل، ثم تصعد تدريجياً وفق مؤشرات أداء واضحة، بينما تنتقل الشركات التي تتراجع أرباحها أو تتضخم مديونيتها إلى مسارات أدنى حتى تستعيد عافيتها. وبذلك يصبح الصعود مكافأة للأداء، ويصبح التراجع نتيجة طبيعية لضعف النتائج.
ففي الاقتصاد كما في الحياة، البقاء ليس للأقدم، بل للأقدر على التكيف.
وتؤكد التجارب العالمية أن قوة الأسواق لا تكمن في منع الفشل، بل في سرعة اكتشافه والتعامل معه.
كما أن الثقة ؛ لا تُبنى بكثرة الأنظمة فحسب، بل بالشفافية والمحاسبة والوضوح..فالغرامات المالية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تقترن بإفصاح واضح ومساءلة حقيقية لكل من يضر بحقوق المساهمين.
ويقول بيتر دركر إن ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته.
ولذلك ؛ فإن بقاء الشركات في أعلى تصنيفات السوق يجب أن يكون خاضعاً لمراجعة دورية قائمة على الأداء الفعلي لا على التاريخ أو الأقدمية.
لقد نجحت السوق المالية السعودية في تجاوز مرحلة الندرة إلى مرحلة الوفرة، لكن التحدي القادم ليس زيادة عدد الشركات، بل زيادة عدد الشركات التي تستحق البقاء في القمة.
فالأسواق العظيمة لا تُبنى بكثرة الأسماء، وإنما بارتفاع المعايير.
وكما أن الذهب لا تزداد قيمته بكثرته، بل بنقائه، فإن قوة السوق لا تقاس بعدد الشركات المدرجة بقدر ما تقاس بجودة تلك الشركات وقدرتها على تحقيق الأرباح وصناعة القيمة وحماية حقوق المساهمين.
وفي النهاية ؛ ليست القضية أن تدخل الشركة السوق، بل أن تستحق البقاء فيها.
فالسوق المالية ليست دار ضيافة مفتوحة للجميع، بل ساحة تنافس تُمنح فيها المكانة لمن يثبت جدارته، وتُسحب ممن يعجز عن المحافظة عليها..وتلك ليست قسوة على الشركات، بل عدالة للمستثمر، وعدالة للاقتصاد، وعدالة للسوق نفسها.