الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ يوليو-٢٠٢٦       4235

بقلم ـ غتزي العوني

في عامٍ اجتمع فيه الحزن على قلب النبي ﷺ، ضاقت به مكة. مات العم الذي كان درعًا، وماتت الزوجة التي كانت سكنًا. فخرج ﷺ يلتمس قلبًا جديدًا يحتضن الدعوة، فشد الرحال إلى  الطائف  سيرًا على قدميه، يقطع تسعين ميلاً من الرجاء.

 

لكن  الطائف  لم تكن على موعد مع الرحمة. عرض ﷺ عليهم الإسلام، فقوبل بالإيذاء والرفض. وأغرى سادة  الطائف  به سفهاءهم، فتبعوه حتى أدموا قدميه الشريفتين، وحتى اضطر أن يحتمي ببستان على أطراف المدينة. 

 

هناك، تحت ظل شجرة عنب، جلس النبي ﷺ منهكًا مجروحًا. ورفع إلى السماء شكواه التي خلدها التاريخ: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس..."

كان المشهد يحكي نفسه في عيون البشر، لكنه كان يكتُب فصلاً جديدًا في تقدير السماء.

 

رآه عتبة وشيبة ابنا ربيعة من بعيد، فتحركت فيهما بقية من المروءة. فقالا لغلامهما *عداس*: "اذهب بهذا القِطف من العنب إلى ذلك الرجل". 

 

وكان عداس غلامًا غريبًا. ساقه القدر من *نينوى* إلى أرض العرب. لا وطن له ولا أهل، وكل ما يحمله في قلبه حكايات قديمة عن نبي قومه *يونس بن متى*. حمل *القِطف* ومشى لا يدري أنه ذاهب إلى هدايته.

 

وضع القِطف بين يدي النبي ﷺ. فرفع ﷺ يده وقال: "بسم الله" 

فتوقف عداس. هذه الكلمة ليست من أرض الطائف. فسأل بدهشة: "إن أهل هذه البلدة لا يقولون هذا". 

فقال له النبي ﷺ: "من أي البلاد أنت؟"

قال: "من نينوى". 

قال ﷺ: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟"

 

*هنا اندهش عداس.* كيف لرجلٍ جريح في بستان أن يعرف نينوى؟ وأن يعرف يونس؟ 

قال: "وما يدريك ما يونس بن متى؟" 

فجاء الجواب الذي فك قيوده: "ذاك أخي. كان نبيًا وأنا نبي"

 

فلم يتمالك الغلام نفسه. انكب على رأس رسول الله ﷺ ويديه وقدميه يقبلها بدموع من عرف الحق بعد طول تيه. رآه سادته فقالوا: "أفسده محمد". وما علموا أنه أصلحه. أخرجه من عبودية الجسد إلى حرية الإيمان.

 

خرج النبي ﷺ من  الطائف  حزينًا، لكنه لم يخرج خاسرًا. خرج ومعه قلبٌ واحد قال "آمنت". وقلبٌ واحد كتبت به الرحلة اسم أول مؤمن بالطائف.

 

من أرضٍ ضاقت بالدعوة، إلى أرضٍ امتلأت بها المساجد.  

ومن بستانٍ جلس فيه النبي ﷺ متألمًا على حال أهلها، إلى قلوبٍ تبكي من خشية الله.  

وأنا أكتب هذا المقال الآن من تلك الأرض التي ما زالت تحي التاريخ، شاهدةً على أن وعد الله حق، وأن النصر مع الصبر،  

وأن بذرة الإيمان وإن تأخرت... لا بد أن تُثمر.