النهار

١٤ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ مايو-٢٠٢٦       2805

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست سيرة المبدعين الحقيقيين ما يُروى عن بداياتهم فحسب، بل ما تصنعه التحولات الكبرى في مساراتهم، وكيف يعيدون تشكيل ذواتهم حين تُغلق بعض الأبواب وتُفتح أخرى أكثر اتساعًا وعمقًا في الأثر.

وفي هذا السياق ؛ تتجلى سيرة المايسترو يحيى حسن مساوى بوصفها رحلة إنسانية وفنية ممتدة، بدأت من  الملاعب  الرياضية لاعبًا لكرة القدم، حيث تدرّج في أندية سعودية من فرق الناشئين حتى الفريق الأول، وكانت الموهبة الرياضية حاضرة بوضوح قبل أن تُوقفها الإصابة  ؛ لتتحول تلك النهاية المبكرة إلى بداية أخرى أكثر رسوخًا واتساعًا في عالم مختلف تمامًا.

ومنذ المراحل الأولى ؛ كان الشغف بالموسيقى يسبق كل التحولات؛ شغف لا يُكتسب لاحقًا بقدر ما يُولد كميل داخلي عميق، كأنه امتداد آخر للروح. 
هذا الميل قاده إلى الالتحاق بمدرسة الموسيقى، حيث بدأت ملامح التكوين الحقيقي؛ تعلمًا وتطبيقًا وتدرجًا، حتى بلغ موقع قائد الفرقة الموسيقية، حاملًا عصا المايسترو في مقام لا يُمنح إلا لمن جمع بين العلم والانضباط والإحساس الدقيق بالبناء الموسيقي، واستمر في هذا المسار حتى تقاعده بعد رحلة طويلة من العطاء.

وقد شكّل تتلمذه على يد الموسيقار السعودي طارق عبدالحكيم ؛ محطة مفصلية في وعيه الفني، إذ انفتح على رؤية تعتبر الموسيقى أكثر من مجرد أداء، بل هوية وثقافة وذاكرة وطنية ممتدة، تتجاوز حدود الصوت إلى معنى الانتماء ذاته.

وفي هذا السياق ؛ ينسجم تكوينه مع قول لودفيغ فان بيتهوفن: «الموسيقى هي الوسيط بين الحياة الروحية والحياة الحسية»، وهو ما انعكس في حضوره الفني بوصفه إحساسًا يسبق المهارة، وتجربة تتقدم على مجرد التطبيق.

ومع انتقاله لاحقًا إلى الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ؛ واصل دوره في تدريب المواهب والإشراف على الفرق الموسيقية وتعليم مختلف الآلات ؛ ليصبح جزءًا من مرحلة صناعة الفنانين لا الاكتفاء بإنتاجهم، منتقلًا من فضاء الأداء إلى فضاء التكوين، ومن ممارسة الفن إلى بناء الذائقة.

وهنا يحضر قول ليونارد برنشتاين: «الموسيقى يمكن أن تُسمع، لكن يجب أن تُفهم أولًا»، وهو ما تجسد في منهجه التربوي الذي يرى أن الفهم يسبق الإتقان، وأن الوعي الموسيقي أساس لكل ممارسة فنية حقيقية.

ومن أبرز ملامح رؤيته الفنية ؛ تقسيمه للفنانين إلى ثلاثة مستويات: مؤدٍ، ومغنٍ، ومطرب، وهو تقسيم لا يرتكز على جودة الأداء الصوتي وحده، بل على عمق التأثير وقدرة الفنان على صناعة الحالة الوجدانية لدى المتلقي.

وفي هذا المعنى ؛ يلتقي هذا التصور مع الفكرة الأرسطية حول الفن بوصفه تطهيرًا للشعور (Catharsis)، إذ لا يقف الفن عند حدود الإمتاع، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الإحساس الداخلي. 
لذلك ؛ كان يرى أن منزلة “المطرب” هي الأعمق أثرًا ؛ لأنها تتجاوز الأداء إلى صناعة الوجدان، وهو ما يفسّر تقديره لأسماء مثل محمد عبده وطلال مداح بوصفهما نموذجين لهذا الامتداد الوجداني في الفن الغنائي العربي.

وقد أشرف خلال مسيرته على آلاف المواهب الفنية، في مسار يجمع بين التدريب والتوجيه وصناعة الاتجاهات، مؤمنًا بأن الفن لا يُبنى على الموهبة وحدها، بل على التراكم والانضباط وصقل الذائقة عبر الزمن.

وفي هذا السياق ؛ ينسجم حضوره مع قول غوستاف مالر: «أعظم ما في الموسيقى أنها لا تقول كل شيء، لكنها تجعلنا نشعر بكل شيء»، وهو ما انعكس في طريقته في التعليم، حيث تتقدم التجربة على الشرح، والإحساس على التلقين.

ورغم هذا الامتداد الطويل في التأثير ؛ ظل حضوره الإعلامي أقل من أثره الميداني، إذ كان أقرب إلى صانع أثر هادئ منه إلى حضور صاخب، حاضرًا في التكوين أكثر من الظهور، وفي بناء الإنسان الفني أكثر من البحث عن الضوء.

وفي هذا المعنى ؛ تذكّر التجربة بقول ألبير كامو: «الشهرة لا تصنع الإنسان، بل تكشفه فقط»، وقد كشفته مسيرته بوصفه شخصية هادئة البصمة، عميقة الأثر، تعتمد على الاستمرارية لا الضجيج.

إن سيرة المايسترو يحيى حسن مساوى ليست مجرد انتقال من الرياضة إلى الموسيقى، بل انتقال من الموهبة إلى الرسالة، ومن التجربة الفردية إلى الأثر الجمعي، ومن الأداء إلى صناعة الوعي الفني.

وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات وتقل فيه البصمات ؛ تبقى مثل هذه السيرة شاهدًا على أن الفن الحقيقي لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يتركه في الذاكرة من أثر لا يزول.