النهار
بقلم- ياسين سالم
قادة المليشيات والانفصال لم يخوضوا حرباً للدفاع عن الوطن يوماً , بل جعلوا من الحرب تجارةً رابحة لحساباتهم الخاصة على حساب الشعوب , فخرج في المشهد رجال يرفعون الشعارات , ويتحدثون باسم القضية , لكن ولاءهم الحقيقي لمن يمولهم ويمدهم بالسلاح والمال , هؤلاء هم مرتزقة الحروب ,
ومنهم طامحٌ إلى السلطة , وآخرون اتخذوا من الارتزاق مهنةً وفق قوانين "العمالة" , وفريقٌ ثالث لا يبتغي نصراً ولا يخشى هزيمة , وإنما يبتغي بقاء الفوضى قائمة , فمع كل يوم قتال يزداد نفوذه وتتسع دائرته ويشتهر اسمه , لذلك يحرص على إشعال الفتيل أولاً , ثم يغذي الانقسام , ويحيل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي لا يُحتمل معه السلم , وكلما احترق الوطن ارتفع ثمنه في سوق الأزمات ,
بيد أن هذه السوق لا تُدار بالمخاطرة الشخصية , فمن يبيع الحرب لا يشتريها لنفسه , وراء المرتزق تقف جهات داعمة لا يعنيها عدد القتلى ولا مصير الشعوب , وإنما يعنيها ما يعود على دولها من مكاسب سياسية واقتصادية " استحواذ سياسي , نفوذ جغرافي , بترول , معادن , آثار , موانئ " , فتغدو الأوطان الأخرى ساحات تجارب , والدماء أرقاماً تُسجّل في تقارير لا تُقرأ إلا على سبيل الحساب والحصر ,
من هنا ترى قادة الفتنة في مأمن , بينما يُدفع البسطاء إلى المقدمة , أبناء أولئك القادة في الخارج , في أرقى الجامعات , يقيمون في القصور , ويركبون أفخر المركوب , وأما أتباعهم فيموتون دفاعاً عن وهمٍ صنعه الخطاب , ثم يُردُّون إلى أهليهم أرقاماً في قوائم القتلى والجرحى ,
والخسارة في النهاية لا تصيب إلا الشعب والأرض , مدنٌ تُسوّى بالأرض , ومدارس تُغلق , ومستشفيات تعجز عن مداواة جريح , يهاجر الشباب , وتُبدّد الثروات , ويبقى الوطن رهينة حسابات خارجية لا تعرف إلا لغة المصالح والتوافقات الدولية والإقليمية ,
على أن العتب لا ينبغي أن يقف عند المرتزق الذي باع نفسه , ولا عند طالب السلطة الذي لا يرى إلا مصلحته , إنما العتب على جمهور يرفع صورهم ويردد شعاراتهم , وهم الذين أحرقوا البلدان ثم فروا إلى الخارج , فحصلوا على جنسيات دول لعلها كانت ضالعة في إشعال ما جرى ,
مرتزقة الحروب لا يبنون أوطاناً ولا يصنعون تاريخاً , وإنما يجيدون إطالة الأزمة لتطول معها وظيفتهم , وسقوطهم لا يحتاج إلى رصاصة , بل إلى لحظة وعي يُدرك فيها الناس أن من يرسلهم إلى الموت يعيش هو وأبناؤه في أمان ورفاهية , فإذا انكشف القناع , عاد الوطن إلى أهله ,