الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ مايو-٢٠٢٦       2860

بقلم ـ عيسى المزمومى 

في هذا الزمن المتناقض، لم يعد الإنسان يعيش حياته بهدوء وتأمل كما كان يفعل أسلافه، بل أصبح محاطًا بسيلٍ هائلٍ من المعلومات والأخبار والصور والأفكار التي تتدفق إليه بلا توقف عبر الشاشات ووسائل الاتصال الحديثة. لقد تحوّل العالم بالفعل إلى قرية صغيرة، لكن هذه القرية الصاخبة لم تمنح الإنسان دائمًا مزيدًا من الوعي، بل ربما دفعته أحيانًا إلى نوعٍ جديد من الغيبوبة؛ غيبوبة ذهنية صامتة يفقد فيها الإنسان قدرته على التفكير العميق والتأمل والإبداع!
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العقل البشري ليس الجهل وحده، بل الاعتياد على السطحية. فالإنسان حين يتوقف عن القراءة والتأمل، ويكتفي بالاستهلاك السريع للمحتوى، يبدأ تدريجيًا بفقدان قدرته على التحليل وصناعة الأفكار. وهنا تتحول الحياة إلى روتين آلي متكرر، يعيش فيه الإنسان أيامه دون أن يشعر بقيمتها الحقيقية، وكأنه مجرد آلة تؤدي واجباتها اليومية ثم تنطفئ مع نهاية اليوم!
لقد أصبحت وسائل التواصل الحديثة، رغم فوائدها العظيمة، تسرق من الإنسان أثمن ما يملك: صفاء الذهن. فالوقت الذي كان يُستثمر سابقًا في القراءة والحوار والتفكير، أصبح يُهدر في متابعة التفاصيل التافهة والتنقل العشوائي بين المقاطع والمنشورات. ومع مرور الوقت، يفقد العقل قدرته على التركيز الطويل، ويصبح أسيرًا للإثارة السريعة والمعلومات المختصرة، فيتراجع الإبداع ويذبل الخيال! 
الإبداع لا يولد في العقول المزدحمة بالضجيج، بل ينمو في العقول التي تمنح نفسها لحظات من الصمت والتأمل. فالفكرة العظيمة تحتاج إلى عقل هادئ، وإلى روح قادرة على التأمل في الحياة وما وراءها. ولهذا كان كثير من المبدعين والفلاسفة والكتّاب يعيشون فترات من العزلة الاختيارية، لأنهم أدركوا أن الضوضاء المستمرة تقتل العمق الداخلي للإنسان وتقتل الطموح!
إن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا كما يظن البعض، بل هي غذاء للعقل والروح. فالإنسان الذي يقرأ يعيش أكثر من حياة، ويرى العالم بعيون مختلفة، ويكتسب القدرة على فهم الناس والأحداث بطريقة أعمق. أما الذي يهجر القراءة، فإنه يظل حبيس تجربته المحدودة، مهما امتلك من مال أو منصب أو شهرة. ولذلك فإن الأمم التي تقرأ هي الأمم التي تصنع الحضارة، بينما الأمم التي تستهلك دون وعي تظل تابعة لغيرها فكريًا وثقافيًا!
وقد أدرك الحكماء منذ زمن بعيد أن الإنسان لا يخسر نفسه دفعة واحدة، بل يخسرها تدريجيًا حين يهمل عقله ويستنزف طاقته في أمور لا تستحق. يقول الدكتور مصطفى محمود: “بمرور الوقت أدركتُ أني خسرت طاقتي وصحة قلبي بلا ثمن، أعطيت المواقف والأشخاص أكثر مما ينبغي، والآن فهمت، لا شيء يستحق”. هذه الكلمات تختصر مأساة الإنسان المعاصر؛ ذلك الإنسان الذي يستهلك عمره في القلق والمجاملات واللهاث خلف الأشياء المؤقتة، حتى يكتشف متأخرًا أنه أهمل ذاته الحقيقية. فالعقل مثل الأرض، إذا لم تُزرع فيه المعرفة والأفكار، نبتت فيه العشوائية والفراغ والأرق!
إن النجاح الحقيقي لا يعني أن يعمل الإنسان بلا توقف، بل أن يحقق التوازن بين متطلبات الحياة وحاجات الروح والفكر. فالإنسان الواعي هو الذي يعرف كيف يقسم وقته بحكمة؛ وقت للعمل، ووقت للراحة، ووقت للعائلة، ووقت لتغذية عقله بالقراءة والتعلم والتأمل. لأن العقل إذا توقف عن النمو، بدأ بالذبول حتى وإن بدا صاحبه ناجحًا في الظاهر.
ومن المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يقيسون قيمة الإنسان بقدر حضوره الرقمي، لا بعمق فكره وثقافته. فأصبح كثيرون يسعون للظهور أكثر من سعيهم للفهم، ولجمع الإعجابات أكثر من جمع المعرفة. وهنا تظهر الأزمة الحقيقية؛ أزمة مجتمع يزداد اتصالًا تقنيًا، لكنه يبتعد إنسانيًا وفكريًا عن جوهر الحياة.
الغيبوبة الذهنية ليست مرضًا عضويًا يُرى بالعين، بل حالة يفقد فيها الإنسان شغفه بالسؤال والاكتشاف. وحين يموت السؤال، يموت معه الإبداع. فالمبدعون الحقيقيون هم أولئك الذين ظلوا يطرحون الأسئلة التي يخاف الآخرون من طرحها، وتأملوا الحياة بعيون مختلفة، ولم يقبلوا أن يعيشوا أسرى للعادة والتكرار.
إن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان هو أن يستثمر في عقله. فالمال قد يضيع، والمناصب قد تزول، لكن الفكر الواعي يبقى قوة داخلية لا يمكن انتزاعها. وكل كتاب يقرؤه الإنسان، وكل فكرة يتأملها، وكل تجربة يتعلم منها، تضيف إلى روحه حياة جديدة.
ودائمًا يبقى السؤال الأهم: هل نعيش حقًا بوعي؟! ، أم أننا مجرد عابرين داخل زحام الأيام؟!
فالإنسان الذي لا يمنح عقله فرصة للتأمل والمعرفة، قد يعيش عمرًا طويلًا، لكنه في الحقيقة لم يعش ذاته أبدًا. أما الإنسان الذي يوقظ فكره باستمرار، فإنه يظل حيًا من الداخل مهما تقدم به العمر، لأن الإبداع ليس موهبة فقط، بل أسلوب حياة، ووعيٌ دائم بأن العقل خُلق ليُفكر، لا ليغفو في غيبوبة الصمت والاعتياد والروتين الممل!