بقلم ـ هيثم عبد الحميد
تبرز ملامح استراتيجية حديثة في السياسة السعودية (ضمن رؤية 2030) وتتمثل في التحول من المواجهات العسكرية المباشرة إلى "تصفير المشاكل" والاعتماد على القوة الناعمة.
ركائز النهج السعودي الحالي:
1. الدبلوماسية الوقائية وتصفير النزاعات:
السعودية اليوم تنتهج أسلوبًا مشابهًا عبر:
الاتفاق السعودي الإيراني: اللجوء للوساطة (الصينية) لتهدئة التوترات الإقليمية بدلاً من الاستمرار في الاستنزاف العسكري.
إنهاء ملفات الخلاف: مثل المصالحة في "اتفاق العلا" والتهدئة في اليمن، وهو ما يعكس قناعة بأن الاستقرار الإقليمي هو شرط أساسي للازدهار الاقتصادي.
2. "التوجه شرقاً" وتعدد الشركاء:
لم تعد المملكة تحصر علاقاتها في واشنطن، بل عززت شراكات استراتيجية مع الصين وروسيا والهند، مما يمنحها هامش مناورة أوسع وموازنة للنفوذ الغربي.
3. تقليل الاعتماد على الحماية التقليدية
السعودية استوعبت هذا الدرس من خلال:
بناء القدرات الذاتية: الاستثمار الضخم في توطين الصناعات العسكرية (عبر الهيئة العامة للصناعات العسكرية) لتقليل الاتكال على التوريد الخارجي المتقلب.
4. التحول نحو "الاقتصاد الأخضر" والطاقة البديلة لمواجهة التغير المناخي. بل وتقود الآن هذا التحول في المنطقة عبر:
مبادرة السعودية الخضراء والاستثمار في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، معتبرة أن مستقبل القيادة العالمية يكمن في "ريادة الطاقة المتجددة" وليس فقط النفط.
5. الاستثمار في "القوة الناعمة" والثقافة:
السعودية اليوم تستخدم هذا السلاح بقوة من خلال:
الاستثمار في الرياضة والترفيه والسياحة لتغيير الصورة الذهنية العالمية للمملكة وجذب الاستثمارات، واستثمار الثقافة كأداة سياسية ودبلوماسية.
المصالح القومية توجه بوصلة المملكة؟
تتبنى المملكة العربية السعودية في عام 2026 موقفاً استراتيجياً حازماً يقوم على "الاستقلال السيادي" وتقديم "المصلحة الوطنية العليا"، وهو ما يظهر بوضوح في رفضها الانجرار إلى الصراع العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، رغم الضغوط الدولية والاعتداءات الإقليمية.
إليك تفصيل للضغوط التي واجهتها المملكة وكيفية تعاملها معها بأسلوب "النأي بالنفس":
1. رفض استخدام القواعد والأجواء لضرب إيران:
منذ اندلاع التوترات الكبرى في م طلع عام 2026، أبلغت الرياض واشنطن رسمياً برفضها القاطع لاستخدام القواعد العسكرية على أراضيها أو مجالها الجوي لشن أي هجمات هجومية ضد إيران.
مما منع تحويل أراضي المملكة إلى ساحة معركة مباشرة وحماية البنية التحتية الاقتصادية (مثل أرامكو) من ردات الفعل الانتقامية.
واعتبرت السلام والاستقرار هما الممكن الوحيد لتحقيق مستهدفات "رؤية 2030"، ولا يمكن المخاطرة بها في "حرب استنزاف" لا تخدم المنطقة.
2. مقاومة ضغوط "الانحياز الكامل" لترمب:
رغم العلاقة الوثيقة مع إدارة ترمب، رفضت السعودية أن تكون مجرد "أداة تنفيذية" لسياسة الضغط الأقصى العسكرية.
والتزمت المملكة بـ "الحياد الحذر"، حيث استمرت في التواصل الدبلوماسي مع طهران (بناءً على اتفاق بكين 2023) حتى في ذروة التصعيد، وذلك لضمان وجود "قنوات خلفية" لمنع الانفجار الشامل.
كما نفت الرياض رسمياً التقارير التي زعمت تشجيعها للعمل العسكري ضد طهران، مؤكدة أن "الحل السياسي" هو الخيار الوحيد المستدام.
3. الصمود أمام الاستفزازات المباشرة:
تعرضت مدن سعودية ومنشآت نفطية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ (في مارس 2026)، ورغم ثبوت تورط وكلاء مدعومين من إيران، إلا أن الرد السعودي اتسم بـ "ضبط النفس الاستراتيجي".
السياسة: بدلاً من الرد العسكري الشامل الذي قد يشعل المنطقة، ركزت المملكة على تعزيز الدفاعات الجوية وتدويل القضية قانونياً ودبلوماسياً، مع التأكيد على "حق الرد" في الزمان والمكان المناسبين، مما فوت الفرصة على الأطراف التي ترغب في جر المملكة لحرب إقليمية.
4. حماية ممرات الطاقة (مضيق هرمز والبحر الأحمر)
واجهت السعودية ضغوطاً تتعلق بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
النأي بالنفس وبدلاً من التورط في مواجهات بحرية مباشرة، قامت المملكة بتفعيل "خط الأنابيب شرق-غرب" (Petroline) لنقل النفط إلى البحر الأحمر، مما سمح لها بتجاوز المضيق المغلق وتأمين صادراتها دون الاصطدام المباشر مع القوات الإيرانية هناك.
كما طالبت المملكة بتحرك دولي جماعي لحماية التجارة العالمية، رافضة أن تتحمل منفردة فاتورة الصدام العسكري لتأمين الممرات المائية.
5. "عقدة أوباما" والوساطة السعودية:
بينما يرى ترمب أن سياسات أوباما هي سبب تمكين إيران، ترى السعودية أن العودة إلى "روح الدبلوماسية" (وليس بالضرورة نفس الاتفاق القديم) هي المخرج.
وعملت الرياض كـ "صوت عاقل" يدعو للتهدئة وتجنيب الاقتصاد العالمي صدمات الطاقة، مشددة على ضرورة تحييد احتياجات الشعوب (الغذاء والأسمدة) عن الصراعات السياسية.
"جزيرة استقرار" وسط منطقة مضطربة؟
السعودية في 2026 لم تعد تقبل بالدخول في "حروب بالوكالة" أو "تحالفات هجومية" غير مدروسة. هي تنتهج دبلوماسية متزنة تجمع بين الحزم في حماية السيادة، والمرونة في فتح أبواب الحوار، مما جعلها "جزيرة استقرار" وسط منطقة مضطربة، وهو النهج الذي يرى فيه المراقبون "نضجاً سياسياً" يتجاوز استقطابات القوى العظمى.
ماذا لو استجابت السعودية للضغوط وانخرطت في التصعيد العسكري بدون خطة "ب"؟