النهار

٠٩ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ مايو-٢٠٢٦       3905

بقلم: د. طارق بن حزام

ليست الظنون مجرّد أفكار عابرة، بل هي عدسات خفيّة نرى بها العالم؛ فنحمّل المواقف ما لا تحتمل، ونُلبس الآخرين نوايانا نحن، ثم نُفاجأ حين لا تسير الحياة وفق ما رسمناه في أذهاننا. إنّ أخطر ما في الظنون أنّها تُوهمك بأنك ترى الحقيقة، بينما أنت — في كثير من الأحيان — لا ترى إلا احتمالًا واحدًا من بين احتمالاتٍ لا نهائية.
وأول الطريق إلى التحرّر من هذا الفخ أن تُدرك حقيقةً بسيطة وعميقة: ما تراه ليس بالضرورة هو الحقيقة، بل قد يكون نصفها… أو طرفًا منها… أو لا يمسّها أصلًا. لذلك، لا تُسارع إلى إطلاق الأحكام، ولا تجعل من انطباعاتك أدلّة، ولا من ظنونك يقينًا.
إنّ من أكبر ما يُضلّل الإنسان تحيّزه لأفكاره؛ إذ يميل إلى تصديق ما يوافق قناعته، ويرفض ما سواها، فيُغلق بذلك أبواب الحقيقة وهو يظنّ أنّه يُحسن صنعًا. ومن هنا تأتي أهمية تعليق الأحكام، والتريّث قبل بناء المواقف، ومنح النفس فرصة لرؤية الصورة كاملةً لا مجتزأة.
وفي سياق العلاقات، تتجلّى خطورة التوقّعات بصورة أوضح؛ إذ يبني الإنسان آماله على وعودٍ يظنّها ثابتة، وينسى أنّ البشر تتغيّر ظروفهم، وأنّ ما لم يتحقق قد لا يكون خذلانًا، بل ترتيبًا آخر لم يُدرك حكمته بعد. فكن واعيًا: لا تُشيّد آمالك على احتمالات، ولا تُحمّل الآخرين ما لا يملكون.
ومن الفخاخ الدقيقة أيضًا: فخّ التصنيف؛ حيث يُسارع العقل إلى وضع الأشخاص والأحداث في قوالب جاهزة، فيُريح نفسه من عناء الفهم، لكنه — في المقابل — يظلم الحقيقة. لذلك، اصنع في ذهنك مساحةً لما هو غير مكتمل أو مبهم، وتقبّل وجوده ولو لم يُرضِ نزوعك إلى اليقين.
ولكي تقترب من الحقيقة، تعلّم فنّ الأسئلة لا فنّ الإجابات. اسأل نفسك بصدق:
    ●    هل ما أراه حقيقة كاملة؟
    ●    ما الدليل على ما أظن؟
    ●    هل الأدلة كافية ومترابطة؟
    ●    هل ما حدث يقود فعلًا إلى استنتاجي؟
    ●    هل عشت التجربة من الداخل حتى أحكم؟
فهذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أدوات حماية من الوقوع في الوهم والظن.
ومن المهم أيضًا مراجعة الأفكار والعادات الموروثة، والتعميمات التي نتلقّاها دون تمحيص؛ فكثير مما نعدّه “حقائق” ليس إلا آراءً شاعت حتى استقرّت في الأذهان.
أما النوايا… فهي عالم غائب لا يُدرَك. ومهما حاولت، فلن تستطيع أن تُحيط بما في صدور الناس، بل إنك أنت نفسك قد تعجز أحيانًا عن تفسير بعض تصرفاتك. فكيف تُجيز لنفسك أن تحكم على نوايا غيرك؟ إنّ إدراك خفاء النوايا يُسقط كثيرًا من الأحكام، ويفتح باب العذر، ويزرع في النفس تواضعًا معرفيًا محمودًا.
وفي العلاقات الشخصية، لا تبنِ مواقفك على الظنون، بل على وضوح المواجهة. اسأل، واستفسر، واطلب بيان المقصود دون مواربة. قل: ماذا تقصد تحديدًا؟ ثم أعد صياغة ما فهمته؛ لتتأكد وتُغلق منافذ سوء الفهم. وحتى يحين ذلك الوضوح، التمس العذر، ولا تُسرع إلى القطيعة.
وقد أرشدنا سلفنا إلى هذا المعنى الجليل؛ فقد نُقل عنهم — رحمهم الله — قولهم:
“إذا بلغك عن أخيك شيء تُنكره، فالتمس له عذرًا إلى سبعين عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعلّ له عذرًا لا أعرفه.”
وهي قاعدة أخلاقية تُهذّب الظن، وتُزكّي القلب، وتُعين على سلامة الصدر.
وفي الختام… فإنّ التحرّر من فخّ الظنون ليس قرارًا لحظيًا، بل مسارٌ يحتاج إلى صبرٍ ومجاهدةٍ ووعيٍ متجدّد. وكلما خفّفت من أحكامك، ووسّعت من احتمالاتك، وهذّبت ظنّك، اقتربت أكثر من الحقيقة… وعشت بطمأنينةٍ أقلّ اضطرابًا، وأعمق فهمًا للحياة والناس.