النهار

٠٨ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ مايو-٢٠٢٦       3520

بقلم - عبد الناصر بن علي الكرت
‏لم تكن بعض الزيارات الملكية في تاريخ المملكة مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل كانت لحظات مفصلية أعادت تشكيل الوعي الجمعي، ونسجت علاقة وجدانية بين القيادة والمكان والإنسان. ومن أبرز تلك اللحظات، زيارة الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- لمنطقة الباحة عام 1373هـ، حين كانت تُعرف إدارياً بـ”إمارة الظفير”، وتضم قبيلتي غامد وزهران. فتلك الزيارة لم تُسجّل في كتب التاريخ فحسب، بل استقرت في ذاكرة الأهالي ووجدانهم، حتى غدت مقياساً للزمن ومرجعاً للأحداث.
فأهل المنطقة يومها لا يملكون أدوات التوثيق الحديثة، لكنهم امتلكوا ما هو أصدق، ألا وهي الذاكرة الحية. فصار الزمن يُقاس بـ”عام زيارة الملك سعود” وكأن التاريخ انقسم إلى ما قبلها وما بعدها. حيث يُقال: فُتح الطريق في سنة الزيارة، وُلد فلان يوم وصوله، وتزوج آخر بعد أشهر منها. وبُني البيت بعد سنتين من سنة الملك سعود حتى الوثائق الشفوية والقصص اليومية اتخذت من تلك الزيارة نقطة ارتكاز، لا تخطئها الذاكرة ولا يبهت أثرها.
ولم تكن الزيارة حدثاً رمزياً فقط، بل حملت بُعداً إنسانياً عميقاً. فقد أغدق الملك -طيب الله ثراه- على الأهالي بالعطاء من المال والكساء، شملت الكبير منهم والصغير. في زمنٍ كانت فيه الحاجة ماسة والأوضاع قاسية وقلة الموارد واقعاً يومياً، فجاءت تلك المبادرة كنسمة فرج، وحافز اقتصادي بسيط في ظاهره، عظيم في أثره. تحركت الأسواق وانتعشت الحركة وشعر الناس بأنهم جزء من كيان أكبر يراهم ويهتم بهم.
فكانوا يعبرون دوماً عن مدى فرحتهم بالزيارة ومجرياتها وابتهاجهم بذلك اللقاء بين القائد والأهالي وما أقامته القبائل والقرى من احتفالات شعبية تعبيراً صادقاً عن المشاعر النابضة يروونها للأجيال بمنتهى السعادة. ولم تقف آثار الزيارة عند حدود المشاعر، بل امتدت إلى ميادين التنمية، حيث شهدت المنطقة كغيرها من مناطق المملكة في عهد الملك سعود، بدايات مشروعات التعليم وشق الطرق وإنشاء المرافق الصحية وغيرها…في إطار تحولات وطنية نقلت البلاد من نطاقها التقليدي إلى أفق الدولة الحديثة.
ومع مرور السنوات، لم يخفت أثر تلك الزيارة، بل تحول إلى إرث معنوي متجدد. فقد انعكس حب الأهالي وامتنانهم في ظاهرة لافتة، تتمثل في التسمية إذ ازداد اسم “سعود” بين المواليد من بعد تلك الزيارة، تخليداً لتلك اللحظة وربطاً للأجيال الجديدة بذكرى ملك ترك في القلوب أثراً لا يُمحى.
وكأن الاسم لم يعد مجرد اختيار، بل رسالة محبة، وتعبير صادق عن ولاء متجذر.
وفي عمق هذه التفاصيل، تتجلى دلالة أبعد من الحكاية ذاتها إذ تكشف هذه الممارسات عن معنى راسخ من معاني الولاء والوفاء للقيادة السعودية الرشيدة في كل الأحوال، ليس بوصفه شعاراً  يرفع، بل سلوكاً  يُعاش وشعوراً يتجدد عبر الأجيال. فحين يُخلّد الناس أسماء قادتهم في أبنائهم، فإنهم لا يؤرخون لزيارة أو مناسبة فحسب، بل يكتبون علاقة انتماء صادقة، عنوانها المحبة ومضمونها الوفاء.
وفي منطقة الباحة، لا تُروى هذه التفاصيل بوصفها وقائع جامدة، بل كحكايات حيّة تنبض بالمشاعر الصادقة، لأن الانتماء لا يقاس بالشعارات، بل يوثّق بالأسماء، ويُحفظ في الذاكرة ويُترجم في المواقف. إنها علاقة تتجاوز الزمن، حيث تتحول زيارة واحدة إلى تاريخ وهوية متوارثة عبر الأجيال.

alnasser1956@hotmail.com