النهار

٠١ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ مايو-٢٠٢٦       2640

بقلم ـ هلا الخباز

أؤمن أن لكل مرحلة عمرية صديقًا يشبهها.. لا يأتي صدفة، بل كإجابة على أسئلة لم نكن نعرف كيف نطرحها.


وفي هذا العام، لم تهبني الحياة أصدقاء كُثر فحسب، بل منحتني صديقة جاءت بطعم مختلف.. لم تكن مجرد رفيقة، بل بدت كأخت كبرى اختزلت بحضورها سنوات من التجارب، وقدّمت لي خلاصة نضجها في عبارة واحدة كانت ترددها على مسمعي:
“اعتزلي ما يؤذيك.”عبارة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، وربما مثالية بإفراط، لكنها كلما تأملتُها أكثر، اكتشفت كم هي عميقة، وكم هي إشكالية في الوقت ذاته.
فما الذي يُفترض أن نعتزله فعلًا؟
هل هي الصحبة التي تُرهقنا؟
أم العلاقات العائلية التي لا يمكن الفكاك منها؟
أم بيئات العمل التي تستهلكنا بصمت؟
أم ذلك الضجيج اليومي الذي يتسلل إلينا عبر الشاشات دون استئذان؟

يقول مصطفى محمود: “أخطر ما يواجه الإنسان ليس الألم… بل أن يفقد معناه.” وهنا يصبح السؤال: هل ما أعيشه يؤذيني بلا معنى؟ أم أنه جزء من رحلة أكبر أفهمها لاحقًا؟

في علم النفس، لا يُطرح “الاعتزال” كحلٍّ مطلق، بل يُطرح مفهوم أكثر دقة"الحدود النفسية " حيث تشير أبحاث عديدة إلى أن غياب هذه الحدود يعرّض الإنسان لما يُعرف بـ "الاستنزاف العاطفي"، وهي حالة يفقد فيها توازنه النفسي تدريجيًا نتيجة التعرّض المستمر للضغوط والعلاقات غير الصحية.

لكن الإشكالية اليوم لم تعد في العلاقات المباشرة فقط… بل في العلاقات غير المرئية التي نعيشها يوميًا عبر الشاشات. نحن لا نلاحظ ذلك، لكننا نتعرّض يوميًا لسيل من الفيديوهات والمحتوى الذي يحرّك مشاعرنا: غضب،استهزاء مقارنة، أحكام، صدمات متكررة… حتى أصبح الأذى لا يأتي من أشخاص فقط، بل من “محتوى”.

يشير الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان إلى فكرة عميقة حين قال: " الوسيلة هي الرسالة “، أي أن ما نستهلكه لا يؤثر فقط بما يقوله.. بل بطريقة تشكيله لعقولنا وإدراكنا للعالم.. وفي سياق قريب، يحذّر الفيلسوف فريدريك نيتشه بقوله: "احذر وأنت تقاتل الوحوش، أن تتحول إلى وحش مثلها". وهذا لا ينطبق فقط على العلاقات… بل حتى على ما نشاهده وننخرط فيه يوميًا.

فهل يمكن أن يكون جزء من الأذى الذي نحتاج أن نعتزله… هو ما نستهلكه دون وعي؟

اليوم، تنتشر نصائح “اعتزل ما يؤذيك” بشكل واسع عبر الفيديوهات القصيرة، وغالبًا ما تُقدَّم كحل سريع:
احذف، تجاهل، انسحب، ألخ
لكن خبراء الصحة النفسية يرون أن هذا الطرح رغم جاذبيته قد يكون سطحيًا إذا لم يُفهم في سياقه الصحيح. حيث توضح الباحثة برينيه براون أن: “وضع الحدود لا يعني إقصاء الآخرين، بل يعني أن تحترم نفسك بما يكفي لتوضح ما هو مقبول وما هو غير مقبول".

وهنا نعود إلى السؤال الأعمق: هل الاعتزال دائمًا قوة؟ أم أنه أحيانًا يكون مجرد طريقة أنيقة للهروب؟

الفرق الحقيقي يكمن في التمييز بين الأذى والتجارب التي تضيف لنا: الأذى يستنزفنا، يُفقدنا ذواتنا، ويتركنا أقل مما كنا عليه، أما التجارب قد تتعبنا، لكنها تعلمنا، وتمنحنا نسخة أكثر وعيًا من أنفسنا.

يقول الفيلسوف كارل يونغ: "ما تقاومه يستمر، وما تتقبله يتحول.” وهنا تصبح بعض المواجهات ضرورة لا خيارًا.. لكن في المقابل، هناك نوع من الأذى لا يُعالَج بالمواجهة… بل بالانسحاب.. علاقات سامة، بيئات مستنزفة، أو محتوى يعيد تشكيل وعينا بطريقة تضرنا.. في هذه الحالات، يصبح الاعتزال فعل وعي… لا ضعف.

لكن ماذا عن العلاقات التي لا يمكن مغادرتها؟ العائلة مثلًا… أو العمل… أو بعض الالتزامات التي لا تُختصر بقرار؟
أن تقلل التوقعات، أن تعيد تعريف المسافة، أن تحمي نفسك دون إعلان قطيعة، ودون أن تتحول إلى نسخة قاسية من ذاتك.. أن تنسحب بوعي.

يقول نجيب محفوظ: “الإنسان لا يختار ظروفه… لكنه يختار كيف يتعامل معها.”. وهذا هو جوهر الفكرة.

“اعتزل ما يؤذيك” لا تعني أن تغادر كل شيء… بل أن تتوقف عن السماح له بأن يؤذيك بنفس الطريقة.

أن تعتزل الاستجابة، لا بالضرورة العلاقة. أن تعتزل التورط، أن تعتزل التفسير الزائد، والانتظار، والتبرير المستمر. لأن بعض الأذى… لا يُحل بالمسافة، بل يحل بالوعي

في النهاية، ليست القوة في أن ننسحب من كل ما يؤلمنا، ولا في أن نبقى رغم كل شيء… بل في أن نمتلك البصيرة الكافية لنميّز:

ما الذي يجب أن نغادره لننجو،
وما الذي يجب أن نبقى فيه… لننضج.