النهار

٠١ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ مايو-٢٠٢٦       9130

بقلم ـ عبدالمحسن محمد الحارثي

في مشهدٍ يفترض أن تحكمه الرحمة ؛ تتقدّم الحسابات..يقف المريض في قلب مثلثٍ دقيق: المشفى، وشركة التأمين، وهو نفسه. غير أن هذا المثلث لم يعد متوازنًا؛ فقد انزاح مركزه من “الإنسان” إلى “الفاتورة”. 

وكما يقرر بيتر دراكر: “ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته”—لكننا، في واقعنا ؛ نقيس عدد الإجراءات لا جودة الشفاء، فنُدير الأرقام ونُهمل الإنسان.

 

الهدر العلاجي هنا ليس تفصيلاً عابرًا، بل سلوكًا متكررًا: وصفات دوائية تتجاوز الحاجة، وفحوصات تُستدعى بظلّ احتياطٍ تجاري أكثر من ضرورةٍ طبية..ومع كل جرعة زائدة ؛ لا يُستنزف الدواء فحسب، بل تُستنزف كفاءة النظام. 

ويصدق في هذا ما أشار إليه ميلتون فريدمان: “إنفاق أموال الآخرين لا يُدار بالحذر ذاته”؛ إذ يتبدّد الإحساس بالكلفة حين لا يدفعها المريض مباشرة، فتتسع دائرة الاستهلاك دون رادع ذاتي.

 

ثم يأتي الهدر المالي، بوصفه النتيجة الطبيعية لهذا الخلل البنيوي. 

شركات التأمين تتحمّل فاتورةً متضخّمة، فتُقابلها بتشدّدٍ في الموافقات وتقنينٍ للخدمات..وبين جشعٍ محتمل من طرف، وقَترٍ محسوب من طرف آخر ؛ يقف المريض عالقًا في منطقةٍ رمادية. 

هذا الاختلال يفسّره ما طرحه كينيث أرو حول “عدم تماثل المعلومات”؛ حيث يجهل المريض تفاصيل القرار الطبي، فيصبح تابعًا لا شريكًا.

 

في هذه المعادلة ؛ تبدو المستشفيات—في كثير من الحالات—المستفيد الأول. فالنموذج القائم على “الدفع مقابل الخدمة” يحوّل كل إجراء إلى عائد، وكل تمديد علاجي إلى فرصة ربح. 

ومع غياب الضبط الجوهري ؛ تتحوّل الخدمة إلى مسار إنتاجي، تتكاثر فيه الإجراءات بقدر ما تتكاثر الإيرادات. 

لا تعميم هنا ؛ ولكن توصيفٌ لنمطٍ إذا لم يُضبط، اتّسعت فيه الشبهات مهما اشتدّت اللوائح.

 

الحل لا يكون بمزيد من الشدّ بين الأطراف، بل بإعادة تعريف العلاقة نفسها. 

الانتقال إلى “الدفع مقابل القيمة” لم يعد ترفًا تنظيريًا، بل ضرورة تفرضها كفاءة الإنفاق وعدالة الخدمة؛ حيث تُربط التعويضات بنتائج العلاج، لا بعدد خطواته. 

وهنا يبرز طرح مايكل بورتر: “القيمة الصحية تُقاس بنتائجها قياسًا إلى تكلفتها”—وهو تعريف يعيد البوصلة إلى مكانها الصحيح.

 

ومن الزوايا المهملة، سياسات شركات الأدوية في حجم العبوات. 

كثير من الأدوية يُصرف بكميات تفوق الحاجة الفعلية، فتُستهلك جزئيًا ويُهدر الباقي، في خسارة مزدوجة: مالية وصحية. 

إعادة تصميم العبوة وفق الجرعة العلاجية الدقيقة ليس تفصيلاً صناعيًا، بل رافعة كفاءة تقلّص الفاقد وتُحسن الالتزام العلاجي.

 

أما أدوات الرقابة، فرغم كثرتها ؛ فإن كثيرًا منها يضبط “النص” ويُفلت “الممارسة”. 

الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الأوراق، بل إلى ذكاءٍ تحليلي يقرأ الأنماط ويكشف الانحرافات قبل تفاقمها؛ بياناتٌ تُنذر، لا تقاريرٌ تُؤرشف. 

وهنا تتجلّى قيمة التحوّل الرقمي حين يُسخّر للوقاية من الهدر، لا لتوثيقه بعد وقوعه.

 

المشهد ليس قدرًا مغلقًا..ثمة فسحة واسعة للإبداع متى ما خرجنا من أسر التفكير التقليدي: نماذج تأمين مرنة، تسعير مبني على المخاطر الفعلية، ربط فوري بين جودة الأداء والعائد المالي، وتكامل رقمي يحدّ من التلاعب ويُسرّع الوصول للعلاج. إنها معادلة ممكنة، إذا أُعيد تعريف الحوافز قبل إعادة صياغة اللوائح.

 

وفي المحصلة ؛ لا تُقاس المنظومة الصحية بما تنفق، بل بما تنقذ. 

كل هدرٍ علاجي هو انحراف عن الغاية، وكل هدرٍ مالي هو استنزاف لفرصة علاجٍ في مكانٍ آخر. 

وبين جشعٍ يضغط، وتشدّدٍ يقيّد، يبقى الرهان: أن نُعيد الإنسان إلى مركز المعادلة، لا رقمًا في هامشها.

 

حين يُكافأ الإجراء بدل النتيجة ؛ يتحوّل العلاج إلى تجارة ، وحين تُكافأ النتيجة ؛ تعود الصحة إلى رسالتها.