النهار
بقلم ـ حذامي محجوب
ليست كل الخطط الكبرى تُقاس بما يُرصد لها من أموال أو بعدد ما تتضمنه من مشاريع، فبعضها يُقاس بمدى قدرتها على إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ووطنه. وهذا ما جسدته رؤية السعودية 2030، إذ لم تكن مجرد برنامج اقتصادي أو مسار إصلاحي، بل كانت نقطة تحوّل وعي، أعادت من خلالها المملكة تعريف ذاتها كما ينبغي أن تكون، لا كما كانت.
ومع صدور التقرير السنوي لعام 2025، لا نقف أمام أرقام صمّاء، بل أمام حكاية تحول تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فعندما تتحقق أو تقترب 93% من مؤشرات الأداء من أهدافها، فإن الأمر يتجاوز حدود النجاح الإداري، ليؤكد أن الرؤية غادرت دائرة الوعود المؤجلة، وأصبحت واقعًا يتجسد، وثقةً تنمو في وجدان المجتمع.
لقد بلغت الرؤية مرحلة النضج، حيث لم يعد التحدي هو التنفيذ فحسب، بل قياس الأثر. وهنا تتجلى قيمة الإنجاز، إذ لم تعد المبادرات مجرد أفكار مدونة، بل تحولت إلى وظائف، ومدن نابضة، وخدمات ترفع من جودة الحياة. إن إنجاز مئات المبادرات بوتيرة متسارعة يعكس دولة واضحة الرؤية، تعرف غاياتها وتمتلك أدوات بلوغها.
على الصعيد الاقتصادي، لم يعد النفط القصة الوحيدة. فقد بدأت ملامح اقتصاد جديد تتشكل، حيث ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى نحو 55% من الناتج المحلي، في تحول عميق يعيد صياغة بنية الاقتصاد. لم يعد الحديث عن تنويع تقليدي، بل عن بناء قوة اقتصادية متعددة الركائز، قائمة على المعرفة، والسياحة، والتقنيات الحديثة، والخدمات اللوجستية. ومع نمو هذا القطاع بنسبة تقارب 4.9%، يبدو المستقبل وكأنه يتجسد تدريجيًا، لا كفكرة، بل كمسار ثابت المعالم.
وفي قلب هذا التحول، يبرز المواطن السعودي بوصفه محور العملية التنموية وفاعلها. فالتعليم لم يعد مجرد عملية تلقين، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في القدرات البشرية. وتقدم الجامعات في التصنيفات العالمية، وفتح مجالات تخصص جديدة، يعكسان توجهًا لإعداد أجيال قادرة على المنافسة في فضاء عالمي متغير.
أما القطاع الصحي، فقد شهد نقلة نوعية، إذ لم يعد مجرد خدمة، بل بات أقرب إلى حق مكتمل. ومع اقتراب نسبة التغطية الصحية من 97.5%، تتجسد النتائج في حياة أطول، وخدمات أكثر كفاءة، ورعاية أكثر إنسانية. إنها رؤية تنتقل من علاج المرض إلى تعزيز جودة الحياة، ومن الاستجابة إلى الوقاية.
وفي تحول اجتماعي لافت، برز دور المرأة السعودية بشكل غير مسبوق. لم تعد مشاركتها مجرد رقم في الإحصاءات، بل أصبحت حضورًا مؤثرًا في مختلف المجالات. ومع بلوغ نسبة مشاركتها نحو 37%، يتأكد أن ما يحدث ليس مجرد تقدم رقمي، بل تحول ثقافي عميق يكرّس حضورها كشريك أساسي في التنمية.
كما لا يمكن تجاهل ما شهدته جودة الحياة من تحسن ملموس، سواء في ارتفاع نسب تملك السكن أو في الطفرة السياحية التي جعلت المملكة وجهة عالمية صاعدة. هذه التفاصيل، رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحولًا عميقًا في نمط الحياة، يجعلها أكثر اتساعًا وثراءً وإمكانية.
ما تكشفه معطيات 2025 ليس مجرد تقدم مرحلي، بل قصة دولة أعادت ترتيب أولوياتها، ونجحت في تحويل الطموحات إلى سياسات، والسياسات إلى إنجازات، وهذه الإنجازات إلى شعور جماعي بالفخر. فالرؤية لم تكتفِ بإطلاق المشاريع، بل أعادت بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وبين الحاضر وآفاق المستقبل.
ومع اقتراب المرحلة النهائية بين 2026 و2030، تبدو المملكة وكأنها لا تقترب فقط من تحقيق أهدافها، بل من ترسيخ نموذج متكامل في إدارة التحولات الكبرى. لقد غدت الرؤية حقيقة راسخة، ومسارًا متقدمًا لا مجال للتراجع عنه.
هنا تتجلى القيمة الحقيقية: حين يصبح الوطن ورشة مفتوحة على المستقبل، ويغدو المواطن شريكًا في صناعته، لا مجرد مستفيد من نتائجه. إنها تجربة نجاح لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل تُحسّ في الإيقاع الجديد لحياة مجتمع قرر أن يصوغ مستقبله بإرادته.