النهار
بقلم - طارق محمود نواب
على الرغم من رسوخ فكرة أن لكل عصرٍ نجومه، إلا أن هناك استثناءات تفرض نفسها خارج هذا الإطار. فهنالك أسماء لا تُحصر في زمنها، ولا تُقاس بمرحلتها، بل تتحوّل إلى معيارٍ ثابت يُقاس به كل من يأتي بعدها.
ومنذ أكثر من عقدين ونصف، لا زلنا نقف عند ذات السؤال لماذا لم يتكرّر النموذج؟ ولماذا، رغم تعاقب الأجيال، لم يظهر المهاجم الذي يُعيد إلينا ذلك الشعور القديم؟ فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الكابتن ماجد عبد الله لم يكن مجرد نجم في زمنه، بل حالة نادرة، ولذلك لا يزال البحث عنه جاريًا في عصرنا الحالي.
فلا زلنا إلى الآن في نقطة غياب المهاجم القنّاص، ذلك المهاجم الفذّ الذي لا يحتاج إلى شرح، ولا إلى مقدمات، ولا إلى تبرير، حيث تصل إليه الكرة فتصل إلى هدفها. وبهذه العفوية الموحية بعمقٍ كبير، كان يُحسم المشهد، ويُصاغ الفارق، ويستقرّ الشعور بالثقة.
وفي كل موسم، يظهر مهاجم، يلمع، يُسجّل، وتُرفع حوله التوقّعات. وتتعلّق به الجماهير، وتُبنى عليه الآمال، ويُقال لعلّه يكون النجم الكبير ماجد عبد الله.
لكن، مع مرور الوقت، يتّضح أن المسألة أعمق من مجرد أهداف تُسجّل، أو أرقام تُكتب، فالمسألة في ذلك الإحساس الذي يزرعه اللاعب قبل أن يسجّل.
فقد كان ماجد يمنحك شعورًا بأن النهاية محسومة، حتى قبل أن تبدأ، فلم يكن يركض خلف اللحظة، بل كانت اللحظة تأتي إليه، وهذا ما نفتقده اليوم.
فصحيح اننا نملك مهاجمين، ونملك أسماءً تؤدي، وتُجيد وتُسجّل، لكننا لا نملك ذلك "القنّاص" الذي يُنهي كل شيء. ذلك اللاعب الذي يعيش داخل منطقة الجزاء، يتنفّسها، ويحوّلها إلى مسرحه الخاص، ولا يحتاج إلى عشر فرص، بل يكتفي بنصف فرصة، فيضع الكرة حيث يجب أن تكون، لا حيث يمكن أن تصل.
وربما تغيّرت كرة القدم، وتسارعت، وتحوّلت إلى طريقة لعبٍ تذيب الفوارق بين الأدوار، وأصبح المهاجم جزءًا من أدوارٍ متعددة، حيث يصنع، ويعود، ويُزاحم، ويُمرّر. لكن، وسط هذا التنوّع، تلاشى ذلك المتخصّص النادر، الذي يعرف أن مهمته الأولى هي الحسم.
وهنا يعود السؤال من جديد هل المشكلة في اللاعبين؟ أم في طبيعة المرحلة؟ ربما في الاثنين معًا.
لكن الأكيد أن ماجد لم يكن مجرد نتاج زمنه، بل كان أعلى من زمنه، فلم يكن موهبةً فقط، بل فهمًا عميقًا للعبة، وهدوءًا استثنائيًا، وثقةً لا تحتاج إلى إعلان، حيث كان يُجسّد البساطة التي تُربك، والدقة التي تُنهي، والحضور الذي لا يُفسَّر.
ولهذا، لا تزال المقارنات قائمة، ليس لأننا نريد أن نُقارن، بل لأننا لم نجد ما يُغنينا عنها. فكلما ظهر مهاجم، عاد الاسم، وكلما سُجّل هدف، عاد السؤال، وكلما انتظرنا الحسم تذكّرنا ماجد.
وهنا، لا بد أن نعترف بأنه ليس كل زمانٍ سيُنجب ماجدًا، وليس كل نجمٍ يُصبح معيارًا، فبعض الأسماء تُكتب مرة واحدة ثم تبقى.
ولهذا، بعد أكثر من عقدين ونصف، لا يزال المشهد كما هو بحثٌ مستمر، وانتظارٌ طويل، وسؤالٌ مفتوح ولا يزال البحث عن ماجد عبد الله جاريًا.