النهار

٢٦ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ ابريل-٢٠٢٦       2860

بقلم -  نواش محمد  المعارك الشراري 

ليس كل من خذله الضوءُ يبهت… بعضهم يتوهّج أكثر، لأنّه يدرك أن العتمة ليست غيابًا، بل امتحانٌ للقدرة على الإضاءة من الداخل.
وهنا عند الحد الذي يخذل فيه الإعلام الشاعر ويخذل فيه الجسدُ صاحبَه يبدأ الاسم الحقيقي .. جمعة جارد 

وعند الحافة التي يتقاطع فيها الألم مع المعنى، يقف “أبا يزيد” لا بوصفه شاعرًا يكتب، بل بوصفه نصًا يتشكّل. لم يُنصفه الإعلام… لكن نصوصه بهدوئها الصاخب كانت أعدل من كل منبر أنصفته دون إعلان، ورفعت اسمه دون نداء.

نشأ في بيئةٍ تتكئُ اللهجاتُ فيها على إرثها، وتُحسن الدفاع عن حدودها، فخرج صوته لا يُشبه محيطه… بل يُعيد تعريفه. لم يكن ابن الفصحى بميراث المكان، بل بصناعة الروح كأنه اختار اللغة كما يُختار القدر وعيًا لا وراثة، وشغفًا لا عادة.

هناك حيث تُغنّي اللهجات يومياتها وقف هو ليكتب ما لا يُغنّى، بل يُفكَّر. لم يُجامل أذنًا اعتادت القريب، ولم يستعطف ذائقةً تُؤثر السهل بل مضى إلى الفصحى كمن يمشي عكس التيار، لا ليُثبت قوته، بل ليُثبت صدقه. فالفصحى عنده ليست ترفًا لغويًا، بل موقف… موقف من الابتذال، ومن الاستسهال، ومن ضجيج القول حين يفقد معناه.

ليس من السهل أن تُحب لغةً لا تُشبه لسانك اليومي، لكن الأصعب أن تُقنع الآخرين بها… وهذا ما فعله. لم يكتب ليُفهم فحسب، بل ليُوقظ؛ كأن قصيدته تُراهن على ما تبقّى في القارئ من دهشة، لا على ما استقر فيه من اعتياد. وكأنّه يهمس إن اللغة الأم ليست ماضيًا يُزار، بل وطنًا يُستعاد.

ليست هذه الأبيات مجرّد نصوصٍ تُشرح، بل حالاتٌ تُعاش. هنا لا يكتب جمعة  ليُزيّن المعنى، بل ليُعرّيه لا ليُدهش القارئ، بل ليُوقظه. إننا لا نقف أمام صورٍ بلاغية بقدر ما نقف أمام اعترافاتٍ مؤجَّلة، خرجت من ضيق التجربة إلى اتساع اللغة.
فكل بيتٍ ليس جملةً مكتملة، بل شقٌّ في جدار الداخل، وكل صورةٍ ليست زخرفًا، بل أثرُ صدمةٍ لم تُروَ كاملة.
ومن هنا… فإن قراءة هذه الأبيات لا تكون بالفهم فقط، بل بالانتباه لأن ما يُقال فيها أقلّ مما يُقصد

ففي قوله:

مات الهوى فتعال نقسم إرثهُ
بيني وبينك والدموع شهودُ

نحن أمام استعارةٍ تُشيّع العاطفة لا بوصفها حالة، بل ككائنٍ يُورث. الهوى يموت… لكنه لا ينتهي يتحوّل إلى “تركة” تُقسَّم ببرود العدالة وقسوة الفقد، فيما الدموع لا تعود تعبيرًا، بل شهادة.

ثم يتصاعد المعنى:

خذ أنت مني ذكرياتك كلها
وأنا سأحمل خيبتي وأعودُ

هنا تتجلّى المفارقة: الذكريات وهي أثقل ما في الفقد تُمنح، بينما الخيبة وهي خلاصة التجربة تُحمل. كأن الشاعر يُعيد ترتيب الألم ما يُشترك فيه يُسلَّم، وما يخصّ الروح يُصان

وفي قوله:

شيّعتُ آخر أحلامي إليك فما
وجدتُ في غدك الداعي سوى كفني

تبلغ الصورة ذروتها الوجودية؛ فالتشييع هنا ليس للأحلام وحدها، بل لما تبقّى من قابلية الحياة. “غدك الداعي” يوحي بالأمل، لكن المفارقة القاتلة أن هذا الغد لا يفتح بابًا… بل يُقدّم كفنًا. الزمن نفسه يتحوّل من وعدٍ إلى فخ.

أما قوله:

أطاعني العاصيان الدمعُ والسهرُ
وملّني المؤنسان الشعرُ والقمرُ

فهو قلبٌ بلاغيّ يكشف اختلال الداخل؛ إذ يُطاع ما يُفترض أن يعصي، ويُملّ ما يُفترض أن يُؤنس. ليست زينة لغوية، بل تشريحٌ لحالةٍ انقلبت فيها وظائف الأشياء.

ثم:

والباقيان معي جرحٌ وأمنيةٌ
والهالكان عليك السمعُ والبصرُ

هنا تتكثف الفلسفة: ما يبقى فيه (الجرح/الأمنية) هو ما يُبقيه حيًا، وما يهلك في الآخر (السمع/البصر) هو ما كان يجب أن يُدرك. الفقد ليس في الغياب… بل في العجز عن الرؤية.

ويبلغ النص ذروته الرمزية:

يا بؤسَ أمنيةٍ عمياءَ ما وُلِدتْ
على ذراعيكِ إلا وهي تحتضرُ

الأمنية كائن أعمى، يولد ميتًا في حضنٍ كان يُفترض أن يمنحه الحياة. ليست علاقة تُنهي… بل علاقة تُنجب ما يموت فورًا.

ثم نداءٌ يختصر التيه:

يا من دسستِ صواع الشوق في لغتي
إني هنا قابعٌ في بئر مأساتي

الشوق هنا ليس شعورًا، بل شيءٌ مزروع في اللغة نفسها. اللغة تتواطأ مع الألم.

عودي إليّ أعيدي رسم خارطتي
فأنتِ كل جهاتي واتجاهاتي

ليست المرأة وجهة… بل نظام وجود. غيابها ليس فراقًا، بل فقدان البوصلة.

جمعة جارد لا يكتب القصيدة… بل يختبر حدودها.
بلاغيًا: يقلب العلاقات ليصنع صدمة المعنى.
لغويًا: يُحيي التراكيب التراثية دون أن يستعير روحها فقط، بل يعيد خلقها.
فلسفيًا: يعامل الحب كمعضلة وجود، لا كحالة عاطفية.

إنه شاعرٌ عصامي، لكن عصاميته ليست في صعوده… بل في اختياره الطريق الأصعب: أن يُنصت للفصحى في ضجيج اللهجات، وأن يجعلها تُنصت لنا من جديد

#ختاماً
جمعة جارد…
لا يُكتب عنه بوصفه شاعرًا مرّ من هنا
بل بوصفه معنى أعاد تعريف المرور.

هو لا يترك أثرًا في النص…
بل يترك النص أثرًا فيك