النهار

٢٧ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ ابريل-٢٠٢٦       3135

بقلم - د. علي بن  عالي  السعدوني
حين ننظر إلى التحول الخارجي السعودي منذ إطلاق رؤية 2030 لا بوصفه مجرد تبدّل في نبرة الخطاب أو توسّع في دوائر الحضور، وإنما باعتباره إعادة صياغة عميقة لفكرة الدور ذاته، فإننا نكتشف أننا أمام انتقالٍ من نهجٍ كان ينشغل بمجاراة إيقاع الأحداث كما تفرضه اللحظة، إلى مقاربةٍ أكثر حيوية تُبادر بصياغة المسارات وصناعة الأثر، حيث لم تعد العلاقات الدولية تُقاس بمدى القرب والبعد فقط بل بقدرتها على إنتاج استقرارٍ قابلٍ للاستدامة، وتنميةٍ تتجاوز حدود الجغرافيا، وتخلق بيئة مشتركة يتقاطع فيها الاقتصاد مع السياسة في صورة أكثر نضجًا ووعيًا بمصالح اللحظة وآفاق المستقبل.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ بل تأسس على إدراكٍ عميق بأن القوة في العصر الحديث لم تعد حكرًا على أدوات الصراع الصلبة، وإنما باتت ترتكز على القدرة على بناء شبكات مصالح ممتدة، تُعيد تعريف مفهوم النفوذ من كونه هيمنةً مباشرة إلى كونه حضورًا مؤثرًا في مسارات التنمية الإقليمية، ولذلك اتجهت المملكة إلى توظيف الاقتصاد بوصفه لغةً جامعة، لا تثير الحساسيات بقدر ما تفتح مساحات للتكامل، فتجد مشاريعها واستثماراتها في محيطها العربي ليست مجرد أرقامٍ في تقارير، بل رسائل سياسية ناعمة تقول إن الاستقرار ليس شعارًا يُرفع، بل مشروعًا يُبنى.
 وفي هذا يمكن قراءة خفض التوترات الإقليمية لا كهدفٍ منفصل، بل كأثرٍ طبيعي لتحول داخلي عميق، إذ إن الدولة التي تنشغل بإعادة تشكيل اقتصادها، وتوسيع قاعدتها الإنتاجية، وتعظيم كفاءة مؤسساتها، لا ترى في الفوضى المحيطة إلا عائقًا يجب تجاوزه، ولذلك جاءت الدبلوماسية السعودية الجديدة وهي تحمل في جوهرها منطق التهدئة، لا بوصفها تنازلًا، بل بوصفها شرطًا لازمًا لاستمرار مشاريع التحول، وكأن السياسة هنا أصبحت امتدادًا للاقتصاد، تحرسه وتفتح له الطرق.
وفي السياق ذاته، برزت مشاريع الربط الإقليمي، سواء في الطاقة أو البنية التحتية أو سلاسل الإمداد، كأدوات عملية لترجمة هذا التحول، حيث لم تعد العلاقات تُختصر في بيانات مشتركة، بل أصبحت خطوطًا كهربائية، وممرات لوجستية، واستثمارات عابرة للحدود، تُجسد فكرة أن المنطقة يمكن أن تتحول من ساحة تنافس إلى شبكة مصالح، وهو تحول في التفكير قبل أن يكون تحولًا في التنفيذ، لأنه ينقل الفاعلين من منطق الصفر إلى منطق الربح المشترك.
ولعل أكثر ما يلفت في هذا المشهد أن السياسة السعودية لم تكتفِ ببناء حضورها الخارجي عبر المشاريع، بل أعادت تعريف ذاتها في الداخل، بحيث أصبحت الرؤية إطارًا جامعًا يربط بين ما يجري في الداخل وما يُصاغ في الخارج، فلا يمكن فهم التحرك الإقليمي دون استحضار التحول الاقتصادي، ولا يمكن قراءة المبادرات الدولية دون إدراك الخلفية التنموية التي تدفعها، وكأن المملكة تقول بلغة الفعل إن الداخل القوي هو الشرط الأول للخارج المؤثر.
 فإن جوهر التحول الخارجي السعودي لا يكمن في تعدد المبادرات ولا في اتساع الجغرافيا التي تتحرك فيها، بل في هذه الفلسفة الجديدة التي تمزج بين السياسة والاقتصاد، وتعيد ترتيب الأولويات وفق منطق البناء لا الاستهلاك، وتتعامل مع الإقليم بوصفه فضاءً يمكن إعادة تشكيله عبر التنمية، لا مجرد ساحة لإدارة الأزمات، وهو ما يجعل هذا التحول ليس حدثًا عابرًا في سياق سياسي متغير، بل مسارًا ممتدًا يعيد تعريف معنى الدور السعودي في عالمٍ لم يعد يعترف إلا بمن يملك القدرة على صناعة المستقبل.