الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ ابريل-٢٠٢٦       3025

بقلم ـ حذامى محجوب

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصورا في حدود الابتكار أو التقدم التكنولوجي، بل بدأ ينزلق نحو استعارات مقلقة تكشف تحوّلا عميقا في طريقة فهم الإنسان نفسه. 
فحين يتحدث كلٌّ من جنسن هوانغ، رئيس شركة Nvidia، والمفكر نوح يوفال هراري عن "مهاجري الذكاء الاصطناعي"،فإن الأمر لا يتعلق بمجرد مجاز لغوي ، بل برؤية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والآلة على نحو يهدد بإعادة تعريف قيمة البشر داخل المنظومة الحديثة.

في هذا السياق، تبرز أطروحات تجمع بين خطاب صناعي تقوده شركات كبرى، ورؤية فكرية يحاول من خلالها بعض المنظّرين تفسير التحولات الجارية. 
هذه الأطروحات تقارن بين حركة البشر عبر الحدود وبين تدفق الأنظمة الذكية داخل المجتمعات، وكأن الاثنين يخضعان للمنطق ذاته: التعويض، الاستبدال، وإعادة توزيع الأدوار.
 لكن خلف هذا التشبيه، تتخفى فكرة أكثر جذرية، مفادها أن الإنسان نفسه يمكن أن يُختزل إلى وظيفة، إلى "وحدة عمل " قابلة للتعويض.

الخطير في هذا الطرح ليس فقط ما يقوله، بل ما يوحي به.
 فحين يُقدَّم الذكاء الاصطناعي ككيان "يصل بسرعة الضوء" ليحل محل العمال، أو كفاعل قادر على التأثير في الاقتصاد والثقافة، فإننا نكون أمام نزعة واضحة لإضفاء الطابع الإنساني على الآلة، مقابل تجريد الإنسان من إنسانيته. 
يصبح الذكاء الاصطناعي "طبيبًا"و"سائقًا" و"حارس حدود"،بينما يتحول البشر إلى أرقام داخل منظومة إدارية، يمكن استبدالهم بسهولة متى توفرت كفاءة أعلى.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم بالفعل في مراقبة الحدود وفي مجالات متعددة، فإن الحقيقة التقنية تختلف جذريا عن الصورة التي يُروَّج لها. 
فنحن لا نتعامل مع "كيان"مستقل، بل مع أدوات وأنظمة صُممت وتُدار ضمن شبكات بشرية ومؤسساتية. 
غير أن الخطاب السائد يتعمد أحيانا تضخيم هذه الصورة، بما يفتح الباب أمام سياسات جديدة تُبرر التحكم في الأجساد وتنظيمها تحت غطاء الكفاءة والتطور.

في هذا الإطار، تتقاطع هذه الرؤية مع ما يُعرف بالبيوسياسة، حيث تُدار المجتمعات باعتبارها مجموعات من الأجساد التي يمكن تنظيمها وضبطها وفق حاجات السوق والإنتاج.
 لم يعد الإنسان مركز الفعل، بل أصبح جزءا من منظومة تُقاس فيها قيمته بقدرته على الإنتاج أو قابليته للاستبدال. 
وإذا كانت الهجرة البشرية تُثير الجدل اليوم، فإن استعارتها لوصف الذكاء الاصطناعي تحمل في طياتها محاولة لإعادة صياغة هذا الجدل بما يخدم منطق السيطرة لا منطق الفهم.

الأكثر إثارة للانتباه هو أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود الاقتصاد أو العمل، بل يمتد إلى تخيّل أدوار غير مسبوقة للذكاء الاصطناعي، من إدارة الشركات إلى التأثير في الأسواق، بل وحتى إنشاء كيانات ذات طابع رمزي كالدين أو الثقافة. 
هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل يتحول إلى "فاعل"يُمنح ضمنيا خصائص قانونية وسياسية، في حين يُسحب هذا الامتياز تدريجيا من الإنسان.

بهذا المعنى، فإن الحديث عن "هجرة الذكاء الاصطناعي"ليس بريئًا، بل هو جزء من إعادة تشكيل سردية كبرى تُمهّد لتوسيع نفوذ الأنظمة التكنولوجية.
 إنها محاولة لإقناعنا بأن ما يحدث أمر طبيعي، بل حتمي، في حين أنه في جوهره خيار سياسي وفكري يعكس مصالح محددة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بقدرة الآلات على التعلم أو الأداء، بل بكيفية توظيف هذا التقدم داخل بنية السلطة.
 فإما أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان، أو يتحول الإنسان نفسه إلى أداة داخل منظومة تحكمها الخوارزميات. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المستقبل.