النهار

١٤ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ ابريل-٢٠٢٦       6875

 بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي 

لم تعد الإشكالية في غياب الوعي بما يجب تغييره، بل في تأخر القرار الذي ينقل هذا الوعي إلى واقع. 
كل شيء بات واضحًا: التشخيص، والبدائل، وإمكانات التحول ، لكن التنفيذ ما زال مترددًا، وكأننا نعرف الطريق ولا نسلكه.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وهو أصلٌ يؤكد أن التغيير يبدأ من قرار، لا من انتظار.

في ملف الزواج ؛ تتكرر القناعة بأن التيسير هو الأساس، وأن الشراكة مقدّمة على المظاهر ، لكن الواقع ما زال مثقلاً بمنظومة اشتراطات اجتماعية لا تعكس هذا الوعي.
قال النبي ﷺ: “إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه” [رواه البخاري]، غير أن التعقيد الاجتماعي جعل البدايات أكثر كلفة مما تحتمل.
فالنتيجة أن طريق الزواج أصبح أطول من الحاجة إليه، لا لغياب الرغبة، بل لثقل ما يسبقها.

في العزاء ؛ يدرك الجميع أن التخفيف أقرب إلى روح المواساة من التكلف، لكن العادة ما زالت تتقدم على المعنى.
فالذي يُفترض أن يكون مساحة إنسانية خالصة ؛ يتحول أحيانًا إلى عبء إضافي على أهل المصاب.
وحين تغلب العادة على القناعة ؛ يفقد السلوك جوهره مهما حسنت النوايا.

أما الولائم ؛ فالهدر فيها لم يعد استثناءً، بل نمطًا متكررًا، رغم الوعي بأن الكرم لا يُقاس بالفائض.
يقول أرسطو: “الفضيلة وسط بين طرفين”، لكن غياب الاعتدال يجعل الكرم يقترب من الاستعراض أكثر من كونه قيمة.
ويختصر المثل العربي ذلك بوضوح: “ما زاد عن حده ؛ انقلب إلى ضده”.

وفي قضايا الصلح ؛ يتسع المشهد أكثر مما تتسع الحاجة إليه.
الحضور الكثيف لا يضيف إلى جوهر الحل شيئًا، بل يهدد أحيانًا بتشتيت الهدف الأساسي: إنهاء الخلاف بأقل كلفة اجتماعية ممكنة.
وحين يكبر المشهد ؛ يصغر المعنى.

هذه الملفات جميعها تعود إلى أصل واحد: أن الوعي لم يعد غائبًا، لكن الحسم ما زال متأخرًا.
فالمعرفة متحققة، لكن تحويلها إلى قرار عام ما زال بطيئًا.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهي قاعدة تختصر أن التغيير لا يُدار بالنقاش وحده، بل بالفعل المنظّم.

المجتمع اليوم لا يرفض التغيير، لكنه ينتظر الإطار الذي يحميه من الحرج الاجتماعي ويمنحه شرعية التحول. 
وهنا ؛ تنتقل المسؤولية من طرح المبادرات إلى تبنّيها وتنظيمها.

فالمبادرة التي لا تتحول إلى قرار عام تبقى فكرة مؤجلة، مهما كانت واضحة ومقنعة.

المرحلة لم تعد بحاجة إلى مزيد من الطرح، بل إلى إجراءات واضحة قابلة للتطبيق:
- الزواج: ضبط سقف التكاليف، وتبسيط الاشتراطات، وتفعيل نماذج التيسير الاجتماعي كخيار معتبر لا استثناء.
- العزاء: تقليص المدة، وتخفيف الالتزامات المصاحبة، وإعادة تعريف المواساة بوصفها فعلًا إنسانيًا لا طقسًا اجتماعيًا.
- الولائم: الحد من الهدر، وتشجيع الاعتدال في الكميات، وفصل الكرم عن الاستعراض.
- الصلح: تقليل الحشود، وتوجيه الجهد نحو الحل لا المشهد، وجعل الإجراء أقرب إلى الوظيفة منه إلى المناسبة.

حين يكتمل الوعي ، ويغيب الحسم ؛ لا يبقى الحياد ممكنًا، بل تصبح القناعة معلّقة بين ما نعرفه وما نؤجله.
والفارق بين مجتمعٍ يتقدم وآخر يتأخر، ليس في حجم المعرفة، بل في سرعة القرار.

واللحظة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الفهم ، بل إلى فعل.