النهار

٢٨ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ مارس-٢٠٢٦       5115

 بقلم ـ حذامى محجوب- النهار

لم يعد ممكنا  توصيف ما أقدمت عليه إيران تجاه دول مجلس التعاون الخليجي إلا باعتباره عدوانا مباشرا وصريحا ، ينسف في لحظة واحدة كل ما راكمته المنطقة من مسارات تهدئة هشة خلال السنوات الأخيرة . 

فاستهداف المملكة العربية السعودية ، ودولة الإمارات العربية المتحدة ، ومملكة البحرين ، وامتداد القصف ليطال دولة الكويت ودولة قطر ، لا يترك مجالا  لأي تأويل : نحن أمام فعل هجومي مكتمل الأركان، يضع طهران في موقع المعتدي لا في خانة الردّ أو الدفاع .


الأخطر أن هذا السلوك لا يمكن عزله عن سياقه السياسي القريب ، وتحديدا  الاتفاق الذي رعته الصين في بكين في  اذار  2023، والذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران على أسس واضحة : احترام السيادة ، عدم التدخل ، والالتزام الصارم بمبادئ حسن الجوار . 

ذلك الاتفاق لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة ، بل تعهدا  سياسيا  وأخلاقيا  بفتح صفحة جديدة في المنطقة . 

وما يحدث اليوم لا يمثل فقط خرقا لهذا التعهد ، بل انهيارا  فعليا  لروحه وتقويضا  لمصداقيته.

 

إن إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو دول لم تنخرط في أي عمل عسكري ضد إيران ، ولم تشكّل تهديدا  مباشرا  لها، يكشف عن نزعة تصعيدية تتجاوز منطق الردع إلى منطق فرض الأمر الواقع . 

وهو ما يطرح سؤالا جوهريا : كيف يمكن لدولة أن توقّع اتفاق تهدئة ، ثم تمضي في سلوك عسكري عدواني يناقضه بالكامل ، دون أن تتحمل كلفة ذلك سياسيا  واستراتيجيا ؟ .

وتتجلى المفارقة الأكثر إيلاما  في أن حجم الضربات الموجهة نحو دول الخليج يفوق ، وفق معطيات متداولة ، ما تم توجيهه نحو إسرائيل خلال الفترة ذاتها . 

وهو ما يعكس اختلالا  واضحا  في ترتيب الأولويات ، ويغذّي انطباعا  متزايدا  بأن دول الخليج لم تعد مجرد ساحة جانبية ، بل تحولت إلى هدف مباشر في حد ذاته . 

هذا التحول يكشف عن خلل عميق في تصور إيران لعلاقاتها مع محيطها العربي ، ويطرح تساؤلات جدية حول نواياها الاستراتيجية.


    أمام هذا الواقع ، لم يعد الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التعويل على حسن النوايا خيارا  كافيا . 


  فخرق اتفاق بكين بهذه الطريقة يفرض إعادة تقييم شاملة لطبيعة العلاقة مع طهران مستقبلا  ، ليس فقط من قبل المملكة العربية السعودية ، بل من قبل مجمل دول مجلس التعاون الخليجي . 

كما يضع الفضاء العربي أمام مسؤولية صياغة موقف جماعي ينتقل من ردّ الفعل إلى بناء معادلة ردع واضحة ومتماسكة .

لقد أثبتت الوقائع أن الاستقرار لا تصنعه الاتفاقات وحدها ، بل تحميه موازين قوة تفرض احترام تلك الاتفاقات . ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة مفصلية، إذ تفرض على دول الخليج الارتقاء بمستوى التنسيق العسكري والأمني ، وتحصين جبهتها الداخلية ، بما يمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات ويؤسس لتوازن إقليمي أكثر صلابة .

ما جرى ليس حادثا  عابرا ، بل اختبار حقيقي لجدوى المسارات الدبلوماسية في المنطقة . فإما أن تتحول الاتفاقات إلى التزامات مُلزمة تُحترم في كل الظروف ، أو أن تفقد معناها وتتحول إلى أوراق مؤقتة ، تتبخر مع أول صاروخ ، وتنهار تحت وقع أول اختبار جدي على ارض الواقع  .