الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مارس-٢٠٢٦       11935

بقلم :الدكتور سعود عقل


في لحظات الرخاء يسهل على الإنسان أن يُظهر حبّه لوطنه،فالأمن مستتب، والخير وفير، والحياة مريحة.  


لكن الانتماء الحقيقي،لا يُختبر في أيام العافية، بل في ساعات الامتحان،عندما تشتدّ الرياح، وتتراكم التحديات، ويصبح الوطن بحاجة إلى كلّ فرد فيه.
الولاء وقت الأزمات ليس مجرد شعار يُرفع، ولا كلامًا جميلاً يُقال في المناسبات.  


إنه موقف،عمل،صمتٌ مسؤول أحيانًا  وصوتٌ واضح أحيانًا أخرى، وتضحية حين يتطلب الأمر.  


هو أن تختار الوقوف مع وطنك حتى لو كان الثمن غاليًا، وأن تُقدّم مصلحته على رغباتك الشخصية أو مصالحك الضيقة.
الأزمات كاشفةٌ للمعادن:  


من يهرب أو يشمت أو ينشر اليأس معدنه ضعيف.  
من يلتزم، يتحمّل، يُساهم، يُوحد الصفوف هذا هو الانتماء الصادق.
الوطن في أزمته لا يحتاج إلى محبةٍ عابرة، بل إلى إخلاصٍ يتحمّل وصبرٍ يصون وعملٍ يبني.  


فمن يبقى مع وطنه في الشدّة، له الحقّ أن يرفع رأسه في الفرج، لأنه لم يكن مجرد "مواطن" في السجلّ المدني، بل كان ابنًا بارًّا في وقت الابتلاء.
حق الوطن ان  يجتمع أبناؤه حوله عندما يُصاب، لا أن يتفرّقوا عنه.


فلتكن أزماتنا شهادةً لنا لا علينا، ودليلاً على أن انتماءنا ليس كلامًا في السِّلم، بل فعلًا في العاصفة.  
الولاء وقت الشدّة هو أصدقُ تعبيرٍ عن حبّ الوطن.
الأزمات لا تُظهر فقط معدن الإنسان، بل تكشف أيضًا معدن الوطن نفسه.  
الوطن القوي لا يُولد من الرخاء وحده، بل يُصقل في وقت الشدائد.  
وحين يشتد الاختبار، يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن مع الوطن لأننا ننتفع منه، أم لأننا ننتمي إليه؟
الولاء الحقيقي لا ينتظر الجوائز ولا يهرب من المسؤولية.  
  هو أن تُصمت عن الشكوى الرخيصة حين يحتاج الوطن إلى صمت مسؤول،  
  وأن تُعلي صوتك حين يحتاج إلى صوت يُصحح ويُبني لا يُهدم.
الانتماء في زمن الأزمات ليس شعورًا عاطفيًا فحسب، بل عقد اجتماعي يُجدد يوميًا:  
  لا أبيع الوطن مقابل راحة مؤقتة،  
  لا أُساهم في تشتيت الصفوف بكلمة أو منشور يُزرع اليأس،  
  لا أنتظر الآخرين ليبدؤوا التضحية بينما أنا أراقب من بعيد.
الأزمات تُفرّق بين نوعين من الناس:  
من يرى في الوطن "مصدر رزق" يحميه طالما يُدرّ عليه نفعًا،  
ومن يرى فيه "أمًّا" يُدافع عنها ، لأنها هي من ربّته وأعطته هويته.
في الرخاء نُحب الوطن،وفي الشدة نُثبت أننا نستحق حبه.
ومن علامات الانتماء الصادق وقت الابتلاء:  
نشر الأمل بدل اليأس،  
مساعدة الضعيف بدل استغلاله،  
حماية الجبهة الداخلية من الشائعات والفتن تزامناً مع حمايتها من العدو الخارجي ،  
أن تُقدّم ما تستطيع (وقتًا، جهدًا، مالًا، صبرًا) دون أن تنتظر مقابلًا أو تصفيقة.


ختامًا:
الأزمة ليست نهاية الطريق، بل هي محطة اختبار للوفاء.  
من يجتازها بإخلاص، يخرج منها أقوى وأرفع،  
ومن يتخاذل فيها، يفقد حق الادعاء بالانتماء يوم يعود الفرج.
الوطن لا يطلب منا أن نكون مثاليين، بل أن نكون صادقين معه وقتما يحتاج صدقنا أكثر من أي وقت مضى.
اللهم احفظ وطننا وولاة أمرنا واهلنا وأحبتنا والمسلمين أجمعين.في جميع اوطاننا العربية والإسلامية