الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ مايو-٢٠٢٦       8360

بقلم - هلا الخباز 

لطالما استوقفني أولئك الأبطال الذين يظهرون من خلف الرماد.. من خلف الحروب، والفوضى، والمواقف الكبرى..  في كل حكاية بطل واحد يتصدر المشهد، يلتقطه الضوء وحده، ويعيد سرد قصته كأنه كان وحده في المعركة.
مع أن الحقيقة غالبًا مختلفة..
ففي كل حرب.. هناك عشرات الذين قاتلوا بصمت، وفي كل بيت.. هناك من حمل الألم كاملًا دون أن يراه أحد، وفي كل قصة نجاح… يقف في الخلف أشخاص لم تصلهم الكاميرا يومًا.
لكن نجمًا واحدًا سطع ..
كنت أفكر طويلًا:
لماذا هو تحديدًا؟
هل لأنه كان الأكثر شجاعة فعلًا؟
أم لأنه عرف أين يقف حين مرّت الكاميرا؟
عرف ماذا يُقال… ومتى يُقال… وكيف يُقال؟
ربما لأن العالم لا يتذكر دائمًا من ضحّى أكثر، بل من نجح أكثر في رواية القصة، ومنذ ذلك الوقت، بدأت أؤمن أن الأحداث وحدها لا تصنع الأبطال. الروايات هي التي تفعل.
ربما لأن العالم لا يتذكر دائمًا الحقيقة الكاملة، بل يتذكر الرواية الأفضل، منذ سنوات طويلة، والإنسان يعيد فهم العالم عبر القصص.
حتى علماء النفس والاجتماع تحدثوا عن حاجة البشر الدائمة لاختصار الفوضى داخل حكاية مفهومة، بطل واضح، وضحية واضحة، وعدو واضح.. فالعقل البشري لا يحب التعقيد، ويميل دائمًا إلى تحويل الأحداث الكبرى إلى قصة يمكن حفظها وتداولها بسهولة.
ولهذا لا تنتصر دائمًا الوقائع.. بل تنتصر الروايات أحيانًا.
في الحروب مثلًا، لا يغيّر الرأي العام دائمًا الأرقام أو التقارير السياسية، بل صورة واحدة قد تفعل ذلك.. صورة طفل يركض مذعورًا، أو امرأة تبكي فوق الركام، أو رجل يرفع علمًا في اللحظة المناسبة.

لحظة واحدة فقط… قد تختصر حربًا كاملة.
ولهذا لم يعد الصراع الحقيقي يدور فقط حول ما يحدث، بل حول من يملك القدرة على رواية ما يحدث.
 توني موريسون  الكاتبة الأمريكية تقول: “التعريف دائمًا يعود لمن يملك سلطة السرد".
وربما لهذا السبب تحديدًا، تسعى كل الأطراف دومًا إلى امتلاك السردية؛ لأن من يربح القصة… يربح الذاكرة أيضًا.
الكاتب جورج أورويل كان أكثر وضوحًا حين قال: “من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي".
لتاريخ نفسه لا يحتفظ دائمًا بالحقيقة كاملة، بل يحتفظ غالبًا بالروايات التي وجدت من يكررها، ويؤمن بها، وينقلها للأجيال.. ولهذا، لا تُنسى بعض الأسماء لأن أصحابها كانوا الأهم دائمًا، بل لأن قصصهم كانت الأكثر حضورًا وانتشارًا. . والأمر لا يحدث في الحروب والتاريخ فقط، بل يتكرر يوميًا في حياتنا العادية.
في بيئات العمل مثلا، قد يعمل أشخاص بصمت لسنوات، بينما يحصل آخر على الواجهة لأنه يجيد الحديث أكثر. وفي العلاقات الإنسانية، قد يربح شخص التعاطف لأنه عرف كيف يحكي ألمه، بينما يبقى ألم الآخر غير مرئي فقط لأنه لم يعرف كيف يعبّر عنه.
ليست كل البطولات ناقصة…
لكن بعضها لم يجد من يرويها.
والمؤلم في عالم اليوم، أننا لم نعد نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن الرواية الأقرب إلى مشاعرنا. الخوارزميات تفهم ذلك جيدًا، والإعلام يعرفه جيدًا، وحتى الجماهير أصبحت تتعامل مع الأحداث كما لو أنها مواسم متلاحقة من القصص، نختار أبطالها، ونصفق لمن يشبهنا، ونهاجم من يناقضنا.
أما الحقيقة الكاملة… فغالبًا تضيع وسط الضجيج.
وربما لهذا، يجب أن نتعامل بحذر مع كل صورة تبهرنا، وكل قصة تبدو مكتملة أكثر مما ينبغي، لأن ما لا يظهر داخل الكادر… لا يعني أنه لم يكن موجودًا.
وربما كان خلف كل بطل تتذكره البشرية، عشرات الأشخاص الذين لم يعرفوا فقط أين يقفون حين مرّت الكاميرا.
ربما لهذا السبب تبقى بعض الوجوه عالقة في الذاكرة أكثر من غيرها، ليس لأنها عاشت الألم وحدها… بل لأنها امتلكت الحكاية التي بقيت.

أما الآخرون، أولئك الذين مرّوا بصمت، وحملوا أوجاعهم بعيدًا عن الضوء، فقد ابتلعهم الزحام دون أن يتركوا أثرًا واضحًا في ذاكرة العالم.
لا لأنهم كانوا أقل شجاعة، ولا لأن بطولاتهم كانت ناقصة، بل لأن أحدًا لم يروِ قصصهم بما يكفي.
وربما لهذا السبب أيضاً ، علينا أن نتذكر دائمًا أن الحقيقة الكاملة لا تظهر دائمًا داخل الصورة، وأن خلف كل وجه حفظه التاريخ… عشرات الوجوه التي لم تجد فقط من يلتفت إليها حين مرّت الكاميرا.