النهار

١٤ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ مارس-٢٠٢٦       11000

بقلم - د.مها ياسر  
في أوقات الاستقرار الاقتصادي، تبدو مسارات العمل والنجاح المهني واضحة نسبيًا؛ فالمؤسسات تعمل وفق خطط طويلة الأجل، والأسواق تتحرك بوتيرة يمكن التنبؤ بها.

لكن حين تضرب الأزمات – سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو عسكرية – تتغير قواعد اللعبة بشكل جذري، ويصبح التميز الوظيفي وريادة الأعمال مرهونين بقدرة الأفراد والمؤسسات على التكيف مع التحولات السريعة وقراءة الفرص داخل الفوضى.

التاريخ الاقتصادي يبين أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تعيد تشكيل موازين القوى في الأسواق العالمية.

فالحروب، رغم ما تحمله من دمار إنساني واقتصادي، تؤدي في الوقت ذاته إلى تحولات عميقة في حركة التجارة والطاقة والاستثمار.

فعلى سبيل المثال، أدت التوترات الجيوسياسية الأخيرة، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية، إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار النفط والغاز، الأمر الذي انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل في مختلف القطاعات.

هذه التحولات لا تخلق آثارًا متساوية على جميع الفاعلين الاقتصاديين؛ فبينما تتعرض بعض القطاعات لخسائر حادة، تنشأ فرص جديدة في قطاعات أخرى، خصوصًا تلك المرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية وإدارة الموارد.

وهنا يظهر مفهوم التميز الوظيفي في زمن الأزمات، الذي لا يقتصر على أداء المهام بكفاءة، بل يتجاوز ذلك إلى القدرة على فهم السياق الاقتصادي الأكبر واتخاذ قرارات مهنية مرنة تتوافق مع التحولات الجارية.

فالمهني المتميز في هذه الظروف لا يعمل داخل حدود وظيفته الضيقة، بل يراقب اتجاهات السوق، ويطور مهاراته بما يتناسب مع احتياجات المرحلة.

إن القدرة على التكيف، وإعادة توظيف المهارات، والاستجابة السريعة للتغيرات أصبحت عناصر أساسية للحفاظ على الاستقرار المهني في بيئة اقتصادية غير مستقرة.

ولا يقتصر تأثير الأزمات على الوظائف التقليدية، بل يمتد أيضًا إلى عالم ريادة الأعمال.

فقد كشفت الأزمات الأخيرة، بدءًا من جائحة كوفيد-19 وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية الحالية وسط اشتعال الحروب بمنطقه الشرق الاوسط، عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد عليها معظم الصناعات.

فقد أدت هذه الاضطرابات إلى تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل ونقص بعض المواد الخام، وهو ما فرض تحديات كبيرة على الشركات.

لكن هذه التحديات نفسها فتحت المجال أمام فرص جديدة لرواد الأعمال.

فقد برزت شركات ناشئة تقدم حلولًا مبتكرة في مجال الخدمات اللوجستية وإدارة المخزون، كما اتجهت العديد من الأسواق إلى تعزيز توطين سلاسل التوريد والاعتماد على الموردين المحليين، الأمر الذي خلق فرصًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للدخول إلى قطاعات كانت في السابق حكرًا على الشركات الكبرى.

ومن هنا، يمكن القول إن الأزمات الاقتصادية لا تقتصر آثارها على إحداث الخسائر، بل تسهم أيضًا في إعادة توزيع الفرص داخل الاقتصاد العالمي.

فالشركات والأفراد الذين يمتلكون القدرة على قراءة التحولات واستثمارها يصبحون أكثر قدرة على التقدم في بيئة تتسم بالتقلب وعدم اليقين.

إن التميز الحقيقي – سواء في الوظيفة أو في ريادة الأعمال – لا يُختبر في أوقات الرخاء، بل يظهر بوضوح في لحظات الاضطراب.

فالأزمات الكبرى تعيد رسم خريطة الأسواق، وتخلق مساحات جديدة للابتكار والمبادرة. وبينما ينشغل البعض بمحاولة الحفاظ على ما كان قائمًا، يسعى آخرون إلى استكشاف ما يمكن أن يولد من رحم الأزمة.

وفي عالم اقتصادي سريع التحول، ربما يصبح السؤال الأهم ليس: كيف نتجنب الأزمات؟ بل كيف نمتلك القدرة على تحويلها إلى فرص للنمو والتجدد.

الخلاصه 
ليست كل الأزمات متشابهة؛ فبينما تُدمّر بعضها، تكشف أخرى عن مسارات لنمو غير مسبوق. فهل نحن مستعدون لاكتشاف الفرص الكامنة داخل الفوضى؟