النهار

٠٩ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ مارس-٢٠٢٦       13035

بقلم  - علي المالكي 

في كل مرة تتعرض فيها دول الخليج لاعتداء صريح يتكرر المشهد ذاته الذي عرفناه قبل عقود يوم اجتاح صدام حسين الكويت. 
لم يكن الغزو يومها مجرد احتلال عسكريٍ لدولة ذات سيادة بل كان أيضًا امتحانًا أخلاقيًا واسعًا كشف وجوهًا كثيرة في العالم العربي. 
يومها خرجت أصوات تحاول أن تبرر وتخفف وتبحث عن أي رواية تُلطف الجريمة أو تُلبسها ثوبًا سياسيًا أو أيديولوجيًا يخفف من قبحها.
واليوم يتكرر المشهد ذاته :
صواريخ وطائرات مسيّرة تنطلق باتجاه مدن الخليج ومنشآته الحيوية تستهدف أمنه واقتصاده واستقراره ومع ذلك ما زالت بعض الخطابات العربية تتعامل مع الأمر وكأنه مجرد تفصيلٍ ثانوي في صراع أكبر. 
وكأن السيادة الوطنية لدول الخليج مسألة قابلة للتأجيل أو حق يمكن القفز فوقه لأن المعتدي يرفع شعارات تعجبهم أو لأن الضحية في نظرهم لا تستحق ذلك القدر من التعاطف.
الحقيقة التي يحاول هؤلاء الهروب منها واضحة وبسيطة:
ما يحدث عدوان صريح على دول ذات سيادة.
صواريخ تُطلق على عواصم ومدن ومسيرات تستهدف منشآت الطاقة والاقتصاد ومحاولات ممنهجة لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها.
لكن المدهش بل المخجل ليس في فعل العدوان ذاته فالتاريخ مليء بالأنظمة التي احترفت الاعتداء وامتهنت التوسع والتخريب. 
المدهش حقًا هو تلك الأصوات التي ما زالت تبحث عن تفسير يخفف الجريمة أو عن خطاب يضع المعتدي في موقع المقاوم أو المتحدي أو المواجه للهيمنة.
وكأن الصواريخ التي تتجه إلى الخليج تصبح أقل خطرًا لأن مطلقيها يرفعون شعارات سياسية معينة.
وكأن السيادة الوطنية تصبح قيمة نسبية تتغير بحسب هوية الضحية وهوية المعتدي.
هذه ليست قراءة سياسية
هذا انهيار أخلاقي كامل
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس الصواريخ والمسيّرات نفسها فالصواريخ والمسيّرات يمكن اعتراضها ويمكن إسقاطها ويمكن تحويلها إلى خردة قبل أن تبلغ أهدافها. 
الجيوش تعرف كيف تتعامل مع الصواريخ والدول تعرف كيف تحمي سماءها وأرضها.
لكن ما لا يمكن اعتراضه بسهولة هو الخطاب الذي يبرر العدوان.
ذلك الخطاب الذي يتسلل إلى المنابر الإعلامية ومنصات التواصل ليقول للناس :
انتظروا لا تتعجلوا في إدانة المعتدي
الأمر أعقد من ذلك
هناك سياق أكبر
هناك صراع مع أمريكا
هناك مواجهة مع إسرائيل
وكأن كل هذه العناوين تمنح أحدًا حق إطلاق الصواريخ على مدن الآخرين.
وكأن كراهية أمريكا أو إسرائيل عندهم أصبحت رخصة مفتوحة لتبرير الاعتداء على أي دولة عربية أخرى.
هذا الخطاب لا يكتفي بالصمت عن الجريمة بل يشارك في تزيينها.
لا يكتفي بغض الطرف عن الصاروخ بل يحاول أن يجد له عذرًا أخلاقيًا.
وهنا تكمن الكارثة.
لأن الأمم لا تُهزم فقط عندما تُقصف مدنها بل تُهزم عندما يصبح العدوان عليها قضية قابلة للنقاش.
في مثل هذه اللحظات تنكشف المعادن.
تنكشف الفروق الحقيقية بين من يرى السيادة الوطنية خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه وبين من يراها مجرد تفصيل يمكن تجاهله إذا تعارض مع مزاجه السياسي أو أيديولوجيته.
هناك من يرى أن استهداف المدن الخليجية جريمة واضحة لا تحتاج إلى شرح طويل.
وهناك من ما زال يبحث عن جملة ذكية تتهرب من قول الحقيقة.
لماذا؟
لماذا يعجز بعضهم عن قول كلمة بسيطة وواضحة : هذا عدوان؟
هل لأن الضحية خليجية؟
هل لأن المعتدي يرفع شعارات يعتبرونها مقاومة ؟
أم لأن الكراهية السياسية أعمت بصيرتهم حتى باتوا غير قادرين على رؤية الوقائع كما هي؟
إن المواقف الحقيقية لا تظهر في الأوقات الهادئة بل في لحظات الاختبار.
وفي كل أزمة كبرى يتبين من يقف مع المبدأ ومن يقف مع المزاج.
التاريخ لا ينسى هذه المواقف.
كما لم ينسَ أولئك الذين صفّقوا لغزو الكويت أو حاولوا تبريره لن ينسى أيضًا الذين يقفون اليوم ليخففوا وقع الصواريخ التي تستهدف الخليج أو يحاولوا إقناع الناس بأن ما يحدث مجرد تفصيل في صراع أكبر.
فالسيادة ليست تفصيلًا
وأمن الشعوب ليس تفصيلًا
واستهداف المدن ليس تفصيلًا
التفصيل الحقيقي هو تلك الخطابات المرتبكة التي تحاول إخفاء الحقيقة تحت طبقات من التبرير والالتفاف.
إن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس فقط منصات الصواريخ التي تطلق القذائف في السماء بل المنصات الإعلامية التي تطلق خطاب التبرير في العقول.
فالعدوان يبدأ بصاروخ لكن استمراره يحتاج دائمًا إلى من يبرره أو يخفف وقعه أو يحاول إقناع الناس بأن الجريمة ليست جريمة كاملة.
وهنا يصبح الصمت خيانة
والتخفيف مشاركة
والتبرير شراكة كاملة في المعنى
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا في وجه كل هذه الخطابات هو سؤال بسيط للغاية :
▪️إذا لم يكن استهداف المدن الخليجية بالصواريخ عدوانًا واضحًا فما هو العدوان إذن؟