النهار

٠٧ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ مارس-٢٠٢٦       14685

بقلم - حمد حسن التميمي

بينما تقف المطارات الدولية مهجورة، وتزدحم الأجواء بمحركات الطائرات التي تحيط بالحدود الإيرانية، يبرز السؤال الذي يكسر هيبة الصمت العربي: هل نحن أمام مغامرة طائشة، أم أنها المرآة التي تكشف بؤس عجزنا الرسمي؟ إن المشهد العسكري اليوم يتجاوز حدود الحسابات الصغيرة؛ نحن أمام واقع أثبتت فيه طهران، برغم كل المسافات، أنها قادرة على ضرب عمق الكيان المحتل في مقتل، واضعة الجيش الذي لا يقهر في حالة ارتياب وجودي لم يعهدها منذ سبعين عاماً من أدعية المساجد وخطابات المنابر التي لم تجاوز سقف الحناجر.
هنا تتجلى الشيزوفرينيا العربية في أبهى صورها؛ فالدولة التي جاءت اليوم لتقصف عدونا الذي هرمنا ونحن ندعو عليه في صلواتنا، هي نفسها الدولة التي حشرت أنفها في دمنا العربي، واستباحت عواصمنا في سوريا ولبنان واليمن والعراق. هذا هو الفخ الأخلاقي الذي يسكن وعي الإنسان العربي اليوم: كيف نصفق لمن يوجع عدونا التاريخي، وهو نفسه من يمسك بخناجر الغدر في صدورنا؟ إنها تقاطعات الدم التي جعلت الوجدان العربي مشلولاً؛ فلا هو قادر على مواراة شماتته في عدو صهيوني يترنح، ولا هو قادر على التصفيق لقاتل طهراني استباح داره.
هذا التمزق النفسي يكشف حقيقة جيوسياسية مريرة يرفض المؤثرون والخطباء الاعتراف بها: إن القوة هي اللغة الوحيدة التي يحترمها هذا العالم. فبينما استنزفت الأمة طاقاتها في صياغة آلاف الدواوين الشعرية والخطابات الملحمية والندوات السياسية العقيمة، جاء الغريب ليثبت أن المكاسب على الأرض لا تُنتزع بالابتهالات، بل بالاشتباك. الحقيقة العارية هي أننا نعيش صراعاً بين ثأرين: ثأر قومي مع صهيونية اغتصبت الأرض، وثأر جريح مع طموحات إمبراطورية استباحت الإنسان. وبين هذين الثأرين، تضيع الفرصة العربية التي قد لا تتكرر لتغيير موازين القوى.
ماذا لو قررت دولة عربية واحدة، من تلك التي تملك جيوشاً مدججة بأسلحة الاستعرض والصدأ، أن تغتنم هذا الانكشاف التاريخي؟ ماذا لو تحولت تلك الجيوش من حراسة الحدود إلى صناعة التاريخ واشتبكت مع العدو في لحظة ذهوله؟ اليقين الذي يهرب منه الجميع هو أن أسبوعاً واحداً من الفعل العربي الميداني كفيل بأن يجعل واشنطن تتوسل وقف القتال، وتطرح حدود 67 والسيادة الفلسطينية كثمن وحيد لوقف الانهيار الشامل. لكننا، ويا لأسف التاريخ، أمة عظيمة في توصيف المآسي وعاجزة في اقتناص اللحظات.
إن اللحظة الإيرانية الحالية، بكل مرارتها وتدخلاتها السافرة، هي الصرخة التي توقظنا من غيبوبة السبعين عاماً. لقد تحولنا من أصحاب قضية إلى مجرد محللين ينتظرون من الأجنبي، سواء كان أمريكياً أو إيرانياً، أن يرسم حدود كرامتنا ويحدد شكل مستقبلنا. التاريخ لن يرحم الذين شاهدوا عدوهم الأول وهو يُضرب في عقر داره، ثم فضلوا البقاء في مقاعد المتفرجين، غارقين في شيزوفرينيا البحث عن منقذ مثالي لن يمنحه عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
يبقى السؤال الذي يكسر صمت الهزيمة: هل سنظل نراقب الطائرات وهي تشق سماءنا لترسم خرائط لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟ أم سنستوعب أخيراً أن الحقوق لا تُسترد بدموع المآذن ولا بقصائد الهجاء، بل بانتزاع اللحظة التاريخية من قلب العاصفة، قبل أن تبتلعنا الخرائط الجديدة التي تُكتب الآن بدم غيرنا؟