بقلم ـ ريماس الصينية
تمضي الصين اليوم بثبات في مسار مرحلة جديدة من التحديث الوطني. ومع اقتراب إطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة، باتت فلسفة التنمية الصينية أكثر وضوحا من أي وقت مضى؛ إذ لم يعد الهدف يقتصر على تحقيق نمو اقتصادي في حجمه فقط، بل يتجه نحو تنمية عالية الجودة تضع الإنسان في صميمها، وتحرص على أن تعود ثمار التقدم بالنفع على جميع أفراد المجتمع بشكل أوسع وأكثر عدالة.
وفي إطار هذا المسار، لا يمثل مفهوم "الرخاء المشترك لجميع أبناء الشعب" مجرد هدف اقتصادي، بل يعكس رؤية اجتماعية متكاملة تسعى إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى حياة المواطنين، بحيث يشعر الجميع بثمار التنمية ودفئها في حياتهم اليومية.
الإنسان أولا: الطريق الصيني نحو الرخاء المشترك
يقوم مفهوم الرخاء المشترك في الصين، في جوهره، على فلسفة تنموية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية. فهو لا يعني توزيع الثروة بالتساوي بين الجميع، ولا تحقيق رخاء متزامن بنمط موحد، بل يسعى من خلال الابتكار المؤسسي والتجارب العملية إلى معالجة التحديات الاجتماعية التي قد ترافق النمو الاقتصادي، وتحقيق تقدم متوازن يشمل الحياة المادية والروحية للمجتمع.
وتتجسد هذه الرؤية بوضوح في بعض المقاطعات الساحلية المتقدمة مثل مقاطعة جيانغسو، حيث تتحول المفاهيم التنموية إلى ممارسات عملية. ففي ظل بيئة محلية ودولية متغيرة، لا يقتصر دور هذه المناطق على قيادة الابتكار التكنولوجي وتطوير الصناعات المتقدمة، بل يمتد أيضا إلى البحث عن سبل جديدة لتعزيز جودة فرص العمل، وزيادة دخل السكان في المدن والأرياف، والارتقاء بمستوى الخدمات العامة الأساسية.
ويكمن جوهر هذا النهج في تحقيق التوازن بين تحرير القوى الإنتاجية وتحسين معيشة المواطنين. وكما تؤكد الخطط التنموية الصينية، فإن الأمر يتطلب الجمع بين"توسيع الكعكة الاقتصادية" عبر الابتكار والتطوير، و"تقسيمها بشكل أكثر عدالة" من خلال سياسات ومؤسسات تضمن استفادة الجميع من ثمار النمو.
ومن خلال هذا النموذج، تسعى الصين إلى تجنب الفجوات الاجتماعية الحادة التي قد ترافق بعض تجارب التحديث التقليدية، مؤكدة أن النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ليسا مسارين متعارضين، بل يمكن تحقيقهما معا عبر سوق نشطة وحكومة فاعلة.
التعاون الصيني-العربي: شراكة في مسار التنمية
عند النظر إلى العلاقات الصينية-العربية، يتضح أن مفهوم التنمية المشتركة وعدم ترك أحد خلف الركب ينسجم بدرجة كبيرة مع روح التعاون المتنامي بين الجانبين.
فالدول العربية تعد شريكا طبيعيا للصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، كما تمثل قوة مهمة في مشهد التنمية العالمية. وفي المقابل، تسعى العديد من الدول العربية إلى تنويع اقتصاداتها واستكشاف مسارات تنموية جديدة تتناسب مع ظروفها الوطنية، وهو ما يخلق أرضية مشتركة واسعة للتعاون مع الصين.
وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي اللبناني جاسم عجاقة إلى أن أحد أبرز الفوارق بين التحديث الصيني والنماذج الغربية يكمن في اعتماد الصين على تخطيط تنموي طويل الأمد ودقيق، يهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية معا، بما يضمن رفاهية المجتمع ككل.
التكنولوجيا والبنية التحتية: تعاون يتجاوز التجارة
لم يعد التعاون الصيني-العربي يقتصر على التبادل التجاري، بل اتجه نحو توسيع مجالات نقل التكنولوجيا وتبادل الابتكار.
فخلال الدورة السابعة لمعرض الصين والدول العربية التي عقدت مؤخرًا في مدينة ينشوان، أعلنت الصين عن نحو 500 تقنية متقدمة مناسبة للدول العربية، تغطي مجالات الزراعة الخضراء والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي ومكافحة التصحر.٧
ولا تقتصر أهمية هذه التقنيات على الجانب النظري، بل تحمل تطبيقات عملية ملموسة، مثل دعم الزراعة في المناطق الرملية التي تعاني من ندرة الموارد المائية، واستخدام نظام الملاحة الصيني "بيدو" في أعمال المسح الجغرافي وإدارة حركة النقل.
ويمثل هذا النوع من التعاون نموذجا لتحويل الخبرات التنموية الصينية إلى أدوات عملية تساعد الدول العربية على تعزيز قدراتها الذاتية وتحسين مستوى رفاهية شعوبها.
خأما في مجال البنية التحتية، فتبرز مشاريع مشتركة مهمة، بدءا من مدينة جنوب سعد العبدالله الجديدة في الكويت، وصولا إلى مشروع القطار الكهربائي في مدينة العاشر من رمضان بمصر. ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على إنشاء بنية عمرانية حديثة، بل تسهم أيضا في خلق فرص عمل محلية وتعزيز التواصل بين المجتمعات.
ويعكس هذا النهج روح مبدأ "التشاور المشترك والبناء المشترك والمنفعة المشتركة"، الذي يتقاطع مع الرؤية الصينية الهادفة إلى تحقيق تنمية إقليمية متوازنة وتقليص الفجوات بين المناطق.
نحو مستقبل أكثر إشراقا
مع التطلع إلى مرحلة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، يتوقع أن تركز الصين بشكل أكبر على جودة التنمية وعمقها الإنساني. وبالنسبة للعالم العربي، يعني ذلك المزيد من فرص التعاون في مجالات متعددة. فالصين لا تمتلك فقط نظاما صناعيا متكاملا وقدرات تصنيعية متقدمة، بل راكمت أيضًا خبرات مهمة في مجالات مثل القضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك.
كما سيشهد هذا العام انعقاد القمة الصينية-العربية الثانية، التي يتوقع أن تمثل محطة جديدة مهمة في مسار العلاقات بين الجانبين. ولا يقتصر الطموح على تعميق التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية، بل يشمل أيضا توسيع الحوار حول تجارب الحوكمة، والتعاون في مجالات المستقبل مثل مواجهة التغير المناخي والحوكمة الرقمية وتمكين الشباب.
وفي هذا الإطار، تؤكد الصين استعدادها الدائم لمواصلة السير جنبا إلى جنب مع الدول العربية في طريق التحديث والتنمية. فالمستقبل الأكثر عدالة واستدامة لن يتحقق إلا عندما تصل ثمار التنمية إلى كل مجتمع، وتشرق شمس التقدم على جميع الشعوب. وهذا هو جوهر رؤية بناء مجتمع صيني-عربي ذي مستقبل مشترك.