النهار
بقلم - طارق محمود نواب
ليس كل من وقف في الميدان لاعبًا، ولا كل من جلس في المقاعد جمهورًا، فثمّة في الحياة مواقع لا تُحدَّد بالمسافة من العشب، بل بعمق التجربة في الروح. هنا، حيث يتقاطع الزمن مع الإرادة، ويتجاور الطموح مع الخوف، فيبدأ المشهد الأكبر مدرّجٌ تتعاقب فيه الوجوه كما تتعاقب الفصول، وتُختبر فيه الأرواح قبل الأجساد، وتُقاس القامات بميزانٍ لا يعرف الضجيج. في هذا المدرّج لا تُوزَّع الأدوار بعدلٍ ظاهر، ولا تُمنح الفرص بالتساوي، لكن العدالة الأعمق تكمن في حرية الاختيار، بأن تختار كيف تلعب لا أين تجلس، وأن تتمسّك بمبدئك حين تتزاحم المصالح، وأن تصبر حين يشتدّ التصفيق لمن لا يستحق. فالحياة ليست استعراضًا للمهارات، بل امتحانًا للثبات، وليست سباقًا نحو منصةٍ عابرة، بل رحلة صعودٍ في مدارج الوعي. فكم من صاعدٍ على أكتاف الضجيج سقط حين سكتت الحناجر، وكم من هادئٍ في الصفوف الخلفية كان يبني مجده بصمتٍ راسخ حتى إذا حانت لحظته لم يحتج إلى تعريف. ففي مدرّج الحياة تتبدّل المقاعد كما تتبدّل القناعات، فنصعد حين ننضج ونتراجع حين نغفل، وكل انتقالٍ ليس حركة جسدٍ فحسب بل تحوّل بصيرة. فنركض خلف أهدافٍ نظنّها قممًا، ثم نكتشف أن القمة الحقيقية كانت في الطريق ذاته، في الانضباط حين غاب الرقيب، وفي الأمانة حين سنحت الخيانة، وفي الوقوف مستقيمًا حين انحنت القيم حولنا. فهناك لحظات نشعر فيها أن المدرّج بأكمله يراقبنا، ينتظر عثرةً أو يترقّب سقوطًا، فنتعلّم أن أثمن ما نملك ليس مهارتنا بل اتزاننا، فالأمواج لا تضرب إلا الصخور، والرياح لا تختبر إلا ما كان قائمًا. وليس المجد أن تبقى في الضوء، بل أن تضيء ولو أُطفئت الأنوار من حولك، وليس الانتصار أن تهزم خصمًا بل أن تهزم خوفك وتنتصر على تردّدك وتغلب نفسك إذا دعتك إلى ما لا يليق. ففي هذا المدرّج تسقط الأقنعة سريعًا ويطول بقاء الجوهر، فصافرة البداية ليست وعدًا بالنصر وصافرة النهاية ليست إعلانًا للهزيمة، بل كلتاهما تذكيرٌ بأن الزمن يمضي وأن الفرصة التي بين يديك الآن لن تتكرر بذات الصورة. فاعبر هذا المدرّج بوقار العارفين، ولا تغرّك المقاعد الأمامية ولا تُحبطك الصفوف الخلفية، فالمكان لا يصنع قيمتك بل حضورك هو الذي يمنح المكان معناه، وازرع أثرك في الأرض قبل أن تبحث عن أثر اسمك في الهواء، فالأسماء قد تُنسى لكن القيم إذا سكنت القلوب لا تموت. وحين تُطوى المباراة الكبرى لن يُسأل المرء عن عدد من صفق له ولا عن حجم اللافتات التي حملت اسمه، بل عن صدق لعبه ونزاهة موقفه وأثره في من جاوره، فذلك هو مدرّج الحياة ساحةُ اختبارٍ للمعادن، ومحرابُ وعيٍ لا يبقى فيه إلا من اختار أن يكون أرسخ من العابرين، وأصدق من التصفيق، وأبقى من الضوء.