الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٥ مارس-٢٠٢٦       28325

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

في مدينةٍ تعلّمت من البحر سعة الأفق، ومن التجارة دقّة الحساب ؛ يبرز اسم سعود بن عايض العرابي الحارثي ، بوصفه نموذجًا لرجلٍ فَهِمَ أن الثروة ليست رقمًا في كشف حساب، بل سيرة تُكتَب في وجدان الناس. 

فمن الصفر تبدأ الحكايات الصادقة، كما يذكّرنا الفيلسوف أرسطو حين يرى أن “الفضيلة فعلٌ متكرّر”، لا ومضة عابرة. وهكذا لم يكن صعود" أبا محمَّد"  قفزةً في فراغ، بل تدرّجًا صبورًا، تراكمت فيه الأفعال حتى صارت خُلُقًا، وتحوّل الاجتهاد إلى هوية.

العصامية، في معناها العميق ؛ ليست تمرّدًا على الواقع بقدر ما هي مصالحةٌ واعية معه؛ أن ترى حدودك ثم تعمل على توسيعها. 
ولعلّ فريد ريك نتشه حين قال: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى” ؛ كان يشير إلى تلك الطاقة الكامنة في العثرات ، فالشدائد ليست خصمًا دائمًا، بل معلمًا قاسيًا. 

من هنا تبدو مسيرة الرجل أقرب إلى مشروع بناء داخلي قبل أن تكون توسعًا خارجيًا؛ بناء ثقةٍ، وترسيخ سمعة، وتثبيت كلمة.

وفي عالم المال، حيث تختلط الأرقام بالمصالح ؛ يبقى الرصيد الأخلاقي هو العملة النادرة. 
ويؤكد إيمانويل كانط  أن الإنسان ينبغي أن يُعامَل كغاية لا كوسيلة. 
ولعلّ سرّ العلاقات العميقة التي نسجها يعود إلى هذا الفهم؛ فالشراكات عنده ليست أدوات ربح فحسب، بل دوائر ثقة متبادلة ؛ لذلك لم يكن حضور العرابي  في المشهد الاقتصادي ضجيجًا، بل أثرًا  ؛ ولم تكن سمعته دعاية، بل شهادة تتداولها المجالس.

في الخامس عشر من رمضان من كل عام ؛ يفتح قصره في جدَّة أبوابه لمأدبة إفطار غدت تقليدًا اجتماعيًا راسخًا. 
غير أن المشهد، على فخامته ؛ يتجاوز حدود المائدة..فكما رأى ابن خلدون : 
أن “الاجتماع الإنساني ضرورة” ؛ فإن هذه المجالس تؤدي وظيفة أعمق من الضيافة؛ إنها تعيد وصل ما قد تقطعه مشاغل الحياة، وتخلق مساحات حوارٍ تتقاطع فيها الرؤى بين أصحاب المعالي والسفراء  والأكاديميين والإعلاميين وأعيان المجتمع وكبار التجار. 

البوفيهات المفتوحة، الممتدة في ساحات القصر وأركانه ؛ ليست استعراضًا لوفرة، بل تعبيرًا عن معنى السَّعة؛ سعة اليد وسعة الصدر.

الثروة-بهذا المعى - تتحول من ملكيةٍ خاصة إلى مسؤولية عامة. 
ويذكّرنا أبو حامد الغزالي ؛  بأن قيمة المال تُقاس بقدر ما يُصلح من حال الناس. 
ولعلّ أجمل ما في هذه التجربة أنها لم تنغلق داخل أسوار القصر، بل اتخذت من المناسبة الرمضانية جسرًا للتواصل، ومن المجلس منصةً لتبادل الأفكار، ومن الحضور الكبير شهادةً على أن المكانة الحقيقية تُمنح ولا تُنتزع.

في زمنٍ تُقاس فيه النجاحات بسرعة الصعود ؛ يقدّم هذا النموذج معنى آخر: أن الرسوخ أهم من الارتفاع، وأن المجد الاقتصادي لا يكتمل إلا بمجدٍ إنساني.

فكما يقول سقراط : “تكلّم حتى أراك”، ولعلّ الأفعال هنا هي التي تكلّمت؛ فعرّفت بصاحبها، ورسّخت اسمه في سجلّ رجال المال والأعمال لا بوصفه رقمًا متقدمًا فحسب، بل قيمةً متقدّمة.

هكذا تُصنع المكانة: صبرٌ في البدايات، وثباتٌ في المسير، ووعيٌ بأن القصور الحقيقية ليست ما يُشاد من حجر، بل ما يُبنى من ثقة. 
ومن الصفر تبدأ الحكايات الكبرى… حين يكون وراءها رجلٌ أدرك أن أعظم استثمار هو الإنسان.