الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ مارس-٢٠٢٦       38500

بقلم- أ. تركي عبدالرحمن البلادي 

في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تقف المملكة العربية السعودية اليوم بوصفها دولة محورية في المنطقة، تتعامل مع هذه الأزمة المعقدة بمنهج يجمع بين الحكمة السياسية والجاهزية الاستراتيجية.

فالمملكة، التي تدرك حساسية موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي، تدير مواقفها بعقلانية الدولة الكبرى التي تسعى إلى حفظ الاستقرار الإقليمي دون التفريط في أمنها الوطني أو مصالحها العليا.

منذ بداية التصعيد بين واشنطن وطهران، اتبعت المملكة نهجًا واضحًا يقوم على التهدئة وتغليب الحلول الدبلوماسية، مع التأكيد في الوقت ذاته على حقها المشروع في حماية أمنها وسيادتها.

وقد عكست التصريحات الرسمية والسياسات العملية هذا التوازن الدقيق، حيث حرصت القيادة السعودية على عدم الانجرار إلى خطاب التصعيد، مع تعزيز قدراتها الدفاعية ورفع مستوى الجاهزية لحماية حدودها ومقدراتها الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أثبتت المملكة أن دعوتها إلى الاستقرار لا تعني الغفلة عن متطلبات الأمن.

فقد نجحت منظومات الدفاع الجوي السعودية في تحييد واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف الأراضي السعودية، في دليل واضح على كفاءة الجاهزية الدفاعية وقدرة القوات المسلحة على حماية الأجواء والمنشآت الحيوية.

كما أن الخبرة العسكرية التي اكتسبتها المملكة خلال السنوات الماضية، خاصة في مواجهة التهديدات القادمة من الحوثيين، أسهمت في تطوير منظومات الرصد والتعامل السريع مع التهديدات الجوية، الأمر الذي عزز من قدرة المملكة على التعامل مع أي تصعيد محتمل بثقة واقتدار.

إن هذه الخبرة المتراكمة جعلت المملكة أكثر قدرة على قراءة طبيعة التهديدات الحديثة التي تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وهو ما انعكس في تطوير منظومة دفاعية متعددة الطبقات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع الهجمات.

وقد أظهر الواقع أن هذه القدرات لم تعد مجرد استعداد نظري، بل منظومة عملية أثبتت فعاليتها في حماية أمن المملكة واستقرارها.

وفي الجانب الاقتصادي، تدرك المملكة أن أي صراع واسع في المنطقة ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، خاصة وأن الخليج العربي يعد شريانًا رئيسيًا لإمدادات النفط العالمية.

ولذلك تعمل الرياض باستمرار على التنسيق مع شركائها الإقليميين والدوليين للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة وضمان استمرار تدفق الإمدادات دون اضطراب.

وقد أثبتت المملكة خلال الأزمات السابقة قدرتها على لعب دور صمام الأمان في سوق الطاقة العالمي، وهو الدور الذي يزداد أهمية في ظل الظروف الحالية.

أما على الصعيد السياسي، فتسعى المملكة إلى دعم كل الجهود الدولية الرامية إلى خفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

فالموقف السعودي يقوم على مبدأ أساسي يتمثل في أن استقرار المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الحلول الدائمة لا يمكن أن تتحقق عبر الصراعات العسكرية، بل من خلال الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

كما أن التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030 تمنحها اليوم قدرة أكبر على التعامل مع التحديات الإقليمية.

فاقتصادها المتنوع ومكانتها السياسية المتنامية وعلاقاتها الدولية الواسعة تجعل منها لاعبًا مؤثرًا قادرًا على المساهمة في تهدئة الأزمات وبناء مسارات جديدة للاستقرار والتنمية في المنطقة.

إن ما يميز الموقف السعودي في هذه الأزمة هو أنه لا ينطلق من ردود فعل متسرعة، بل من رؤية استراتيجية بعيدة المدى تدرك أن المنطقة بحاجة إلى الاستقرار أكثر من حاجتها إلى الصراعات.

ومن هنا فإن المملكة تواصل العمل بثبات لحماية أمنها ودعم استقرار محيطها الإقليمي، واضعة نصب عينيها مصلحة شعوب المنطقة ومستقبلها.

وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتقاطع فيه المصالح الدولية، تبقى المملكة العربية السعودية نموذجًا للدولة التي تجمع بين الحكمة في القرار والقوة في الموقف، لتؤكد مرة أخرى أنها ركيزة أساسية في حفظ توازن المنطقة واستقرارها